وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ شُرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، الشُّرْبُ بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّشَرُّبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي التَّاجِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَقَدْ قُرِئَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ لَكِنَّ الْكَسْرَ شَاذٌّ، وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّصْبِ أَشْهَرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فَالْكَسْرُ بِمَعْنَى الْمَشْرُوبِ، وَكَذَا الْفَتْحُ وَالضَّمُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا هُنَا، وَأَمَّا نَقْلُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْحَنَفِيِّ أَنَّ الشَّرْبَ بِالْفَتْحِ جَمْعُ شَارِبٍ،
كَصَحْبٍ جَمْعِ صَاحِبٍ، عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ وُرُودِهِ، فَلَا مُنَاسَبَةَ لَهُ بِالْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ) بِضَمِّ هَاءٍ وَفَتْحِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ، وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ مُصَغَّرُ هِشَامٍ، (أَنْبَأَنَا) وَفِي نُسْخَةٍ أَخْبَرَنَا (عَاصِمٌ الْأَحْوَلٌ وَمُغِيرَةُ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، هُوَ ابْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ الْفَقِيهُ الضَّرِيرُ أَبُو هِشَامٍ ثِقَةٌ مُتْقِنٌ إِلَّا أَنَّهُ يُدَلِّسُ، وَلَا سِيَّمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ذَكَرَهَ مِيرَكُ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ) قِيلَ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (مِنْ زَمْزَمَ) وَهِيَ بِئْرٌ مَعْرُوفَةٌ بِمَكَّةَ، سُمِّيَتْ بِهَا لِكَثْرَةِ مَائِهَا، وَيُقَالُ مَاءُ زَمْزَمَ وَزَمْزَمٌ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ لَهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَهُوَ قَائِمٌ) وَفِي رِوَايَةِ
[ ١ / ٢٤٩ ]
الشَّيْخَيْنِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، قَالَ عَاصِمٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعِكْرِمَةَ، فَحَلَفَ أَنَّهُ مَا كَانَ حِينَئِذٍ إِلَّا رَاكِبًا، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ، ثُمَّ أَنَاخَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الطَّوَافِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَلَعَلَّ شُرْبَهُ مِنْ زَمْزَمَ حِينَئِذٍ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إِلَى بَعِيرِهِ، وَيَخْرُجَ إِلَى الصَّفَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ عُمْدَةَ عِكْرِمَةَ فِي كَوْنِهِ شَرِبَ قَائِمًا، إِنَّمَا هُوَ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَسَعَى كَذَلِكَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَخَلُّلِ رَكْعَتِيِ الطَّوَافِ بَيْنَ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّاهُمَا عَلَى الْأَرْضِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ كَوْنِهِ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ، وَهُوَ قَائِمٌ كَمَا حَفِظَهُ الشَّعْبِيُّ كَذَا حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَهُوَ جَمْعٌ جَيِّدٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي سِيَاقِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ، مِنْ أَنَّهُ اسْتَسْقَى بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ عِنْدَ إِتْمَامِ الْمَنَاسِكِ، لَا يَنْفِي هَذَا التَّأْوِيلَ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى حَمْلِ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ: وَهُوَ قَائِمٌ، عَلَى أَنَّهُ رَاكِبٌ ; لِأَنَّ الرَّاكِبَ سَيَّرَهُ بِالْقَائِمِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ سَائِرًا، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ، أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ إِدِّعَاءُ كَوْنِ الشُّرْبِ مِنْ زَمْزَمَ وَقَعَ فِي الْحَجِّ مَرَّتَيْنِ، وَلَا بُعْدَ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ الْعَاصِمُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا، بَلْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ»، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، وَشُرْبُهُ قَائِمًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي الشُّرْبِ قَائِمَا عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ ﵃، وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِ السُّنَّةِ: وَأَمَّا النَّهْيُ فَنَهْيُ أَدَبٍ وَإِرْفَاقٍ ; لِيَكُونَ تَنَاوُلُهُ عَلَى سُكُونٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، فَيَكُونُ أَبْعَدَ مِنَ الْفَسَادِ، وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينَ الْفَيْرُوزَابَادِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْرَبُ غَالِبًا قَاعِدًا، وَقَدْ شَرِبَ مَرَّةً قَائِمًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّهْيُ نَاسِخٌ لَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ نَاسِخٌ لِلنَّهْيِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الشُّرْبُ قَائِمًا كَانَ لِعُذْرٍ ; وَلِذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْرَبَ قَائِمًا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ النَّسْخَ أَوِ الضَّعْفَ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا، وَكَيْفَ يُصَارُ إِلَى النَّسْخِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ لَوْ ثَبَتَ التَّارِيخُ، وَأَنَّى لَهُ بِذَلِكَ أَوْ إِلَى الْقَوْلِ بِالضَّعْفِ مَعَ صِحَّةِ الْكُلِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَلْيَسْتَقِئْ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ إِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى
الْوُجُوبِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ مُخْتَصًّا بِمَاءِ زَمْزَمَ، وَبِفَضْلِ مَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى مَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا، وَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَصْلِ أَيْضًا وَنُكْتَةُ التَّخْصِيصِ فِي مَاءِ زَمْزَمَ، هِيَ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِحْبَابِ التَّضَلُّعِ مِنْ مَائِهِ، وَفِي فَضْلِ الْوُضُوءِ هِيَ الْإِيمَاءُ إِلَى وُصُولِ بَرَكَتِهِ إِلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُسَنُّ الشُّرْبُ مِنْ زَمْزَمَ قَائِمًا اتِّبَاعًا لَهُ ﷺ، قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمُ حَيْثُ تَبِعَهُ ﷺ فِي الْقِيَامِ الْمَخْصُوصِ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَى عُمُومِ نَهْيِهِ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا، وَنَازَعَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ) بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (عَنْ أَبِيهِ) قَالَ مِيرَكُ: ضَمِيرُ أَبِيهِ رَاجِعٌ إِلَى عَمْرٍو، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (عَنْ جَدِّهِ)
[ ١ / ٢٥٠ ]
رَاجِعٌ إِلَى أَبِيهِ شُعَيْبٍ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ، وَمُحَمَّدٌ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، وَلَمْ يَرْوِ شُعَيْبٌ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ، كَمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ النُّقَّادِ كَثِيرًا مَا وَقَعَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا، بِلَفْظِ: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَحَدِيثُهُ مُتَّصِلٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَرَادَ جَدَّهُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ جَدَّ أَبِيهِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ الْأَفْضَلُ مِنْ أَبِيهِ، وَالْأَكْثَرُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ تَلَقِّيًا وَأَخْذًا لِلْعِلْمِ عَنْهُ ﷺ وَحِينَئِذٍ فَحَدِيثُهُ مَوْصُولٌ وَرِوَايَتُهُ مُحْتَجٌّ بِهَا، وَلِهَذَا احْتَجَّ بِهَذَا السَّنَدِ أَكْثَرُ الْحُفَّاظِ لَا سِيَّمَا الْبُخَارِيِّ، خَرَّجَ لَهُ فِي الْقَدَرِ، وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُمُ احْتَجُّوا بِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِقَرَائِنَ أَثْبَتَتْ عِنْدَهُمْ سَمَاعَهُ مِنْ جَدِّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَأَنَّهُ خَالَفَ الْآخَرُونَ نَظَرًا لِاحْتِمَالِهِ الِانْقِطَاعَ، وَيَرُدُّهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ مَعَ كَوْنِ الْأَكْثَرِينَ عَلَى خِلَافِهِ، وَزَعْمُ أَنَّهُ أَخَذَ هَذَا الْإِسْنَادَ مِنْ صَحِيفَةٍ لَا اعْتِدَادَ بِهَا لَمْ يَثْبُتْ هُوَ وَلَا مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ إِذَا عَرَضَ الْمُتَأَخِّرُونَ كَالْمُتَقَدِّمِينَ عَنْ ذَلِكَ وَاحْتَجُّوا بِهِ، (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ) أَيْ أَبْصَرْتُهُ (يَشْرَبُ قَائِمًا) أَيْ نَادِرًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَحَمْلُ النَّهْيِ عَنْهُ عَلَى التَّنْزِيهِ، أَوْ لِضَرُورَةٍ أَوْ لِخُصُوصِيَّةٍ، (وَقَاعِدًا) أَيْ مِرَارًا كَثِيرَةً لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ وَالْوَجْهِ الْأَكْمَلِ وَعَادَتِهِ الْأَجْمَلِ، وَهُمَا حَالَانِ مُتَرَادِفَانِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: أَيْ حَالَ كَوْنِهِ شَارِبًا فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ
حَالَةَ الْقِيَامِ، وَحَالَةَ الْقُعُودِ، انْتَهَى. وَفِيهِ - لَا يَخْفَى، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِ الْمَكْرُوهِ، فَكَيْفَ شَرِبَ قَائِمًا فَمَرْدُودٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَكْرُوهًا.
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بِضَمِّ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ جِيمٍ، (حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ) أَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَفْظُ قَالَ مَوْجُودٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ (سَقَيْتُ النَّبِيَّ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فَالْمُرَادُ بِتَعَدُّدِ الْإِسْنَادِ قُوَّةُ الِاعْتِمَادِ، وَفِي سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى تَعَدُّدِ شُرْبِهِ ﷺ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِحْدَاهُمَا، كَانَ عَلَى يَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ) بِالتَّصْغِيرِ (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ (الْكُوفِيُّ قَالَا) أَيِ الْمُحَمَّدَانِ (أَنْبَأَنَا ابْنُ الْفُضَيْلِ) بِالتَّصْغِيرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّكْبِيرِ (عَنِ الِأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ) بِفَتْحِ مِيمٍ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ تَحْتِيَّةٍ فَفَتَحَاتٍ، (عَنِ النَّزَّالِ) بِفَتْحِ نُونٍ وَتَشْدِيدِ زَايٍ، (بْنِ سَبْرَةَ) بِفَتْحِ سِينٍ مُهْمَلَةٍ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ، فَرَاءٍ فَتَاءِ تَأْنِيثٍ، (قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ) أَيْ جِيءَ (بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ وَهُوَ فِي الرَّحَبَةِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَيُسَكَّنُ، وَفِي الصِّحَاحِ الرَّحَبَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ، وَالرَّحْبَةُ بِالسُّكُونِ أَيْضًا الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ وَمِنْهُ أَرْضٌ رَحْبَةٌ بِالسُّكُونِ أَيْ مُتَّسِعَةٌ، وَرَحَبَةُ الْمَسْجِدِ بِالتَّحْرِيكِ هِيَ سَاحَتُهُ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: فَعَلَى هَذَا يُقْرَأُ فِي الْحَدِيثِ بِالسكونِ، ويُحتَمَل أنَّها
[ ١ / ٢٥١ ]
صَارَتْ رَحْبَةُ الكُوفَة بِمَنزِلَةِ رَحْبَة الَمسْجِدِ فَيُقْرَأَ بِالتَّحْرِيكِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ: أَمَّا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رَحْبَةِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّهُ مَكَانٌ وَسَطَ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقْعُدُ فِيهِ وَيَعِظُ (فَأَخَذَ مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْمَاءِ أَوِ الْكُوزِ (كَفًّا) أَيْ قَدْرَ كَفٍّ مِنَ الْمَاءِ (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) أَيْ إِلَى رُسْغَيْهِ (وَمَضْمَضَ) عَطْفٌ عَلَى أَخَذَ لَا عَلَى غَسَلَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَكَذَا قَوْلُهُ: (وَاسْتَنْشَقَ) إِلَخْ وَقَالَ الْعِصَامُ: الظَّاهِرُ عَطْفُ مَضْمَضَ عَلَى غَسَلَ، فَيَكُونُ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ وَمَسْحُ الْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ وَالرَّأْسِ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، وَلَا صَارِفَ عَنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَحَرَّرَ عَنْ لُزُومِ ذَلِكَ فَجَعَلَهُ عَطْفًا عَلَى أَخَذَ، انْتَهَى.
وَقُلْتُ: لَا صَارِفَ أَقْوَى مِنَ اسْتِبْعَادِ غَسْلِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، وَمَسْحِ بَعْضِهَا مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ الشَّرْعِيِّ وَالْعَقْلِ الْعُرْفِيِّ، (وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ) أَيْ غَسَلَهَا غَسْلًا خَفِيفًا، فَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ فِي كَلَامِهِ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ، وَيُؤَيِّدُ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ غَسَلَهَا، أَوْ لَمْ يَغْسِلْهَا، فَالْمُرَادُ بِهِ الْوُضُوءُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مُطْلَقُ التَّنْظِيفِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَرْكُ ذِكْرِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْأَصْلِ، فَيُحْمَلُ خِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ فِي الرَّحَبَةِ
أَوْ تَرْجِيحِ إِحْدَاهُمَا (وَرَأْسَهُ) أَيْ وَمَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ وَرِجْلَيْهِ، أَيْ وَمَسَحَهُمَا أَيْ غَسَلَهُمَا غَسْلًا خَفِيفًا، وَفِي رِوَايَةٍ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (ثُمَّ شَرِبَ) أَيْ مِنْهُ كَمَا فِي نُسْخَةٍ أَيْ مِنْ فَضْلِ مَاءِ وَضُوئِهِ، (وَهُوَ قَائِمٌ) حَالٌ (ثُمَّ قَالَ هَذَا) أَيْ مَا ذُكِرَ، الْإِشَارَةُ لِمَا عَدَا الشُّرْبِ، (وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ) أَيْ مَنْ لَمْ يُرِدْ طُهْرَ الْحَدَثِ، بَلْ أَرَادَ التَّجْدِيدَ أَوِ التَّنْظِيفَ، وَإِلَّا فَوُضُوءُ الْمُحْدِثِ مَعْلُومٌ بِشَرَائِطَ مَعْرُوفَةٍ، (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ) وَمِنْ بَعْضِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ الشُّرْبُ قَائِمًا، وَهَذَا هُوَ سَبَبُ إِيرَادِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ.
قَالَ مِيرَكُ: الظَّاهِرُ أَنَّ صَنِيعَهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، لَا لِبَيَانِ الِاسْتِحْبَابِ ; لِيُعْلَمَ أَنَّ الشُّرْبَ مِنْ فَضْلِ الْوُضُوءِ وَالشُّرْبَ قَائِمًا جَائِزَانِ.
قُلْتُ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ فَضْلِ الْوُضُوءِ ; لِيَكُونَ فِعْلُهُ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِهِ، نَعَمْ شُرْبُهُ ﷺ قَائِمًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنْ يَكُونَ لِلِاسْتِحْبَابِ بِخُصُوصِ هَذَا الْمَاءِ الْمُتَبَرَّكِ عُقَيْبَ هَذَا الْفِعْلِ الْمُعَظَّمِ، وَهُوَ مُخْتَارُ مَشَايِخِنَا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ عَمَلُ عَلِيٍّ بَعْدَهُ ﷺ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَعَلَهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، كَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ.
ثُمَّ الْحَدِيثُ بِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَذْكُورٌ فِي الْمِشْكَاةِ، بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا، وَقَدْ شَرَحْنَاهُ شَرْحًا بَيِّنًا.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي عِصَامٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهُوَ الْبَصْرِيُّ قِيلَ: اسْمُهُ ثُمَامَةُ، وَقِيلَ: خَالِدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْعَتَكِيُّ، رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، كَذَا حَقَّقَهُ الْجَزَرِيُّ وَفِي نُسْخَةٍ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا إِذَا شَرِبَ) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ يُبِينُ الْإِنَاءَ عَنْ فِيهِ، فَيَتَنَفَّسُ ثُمَّ
[ ١ / ٢٥٢ ]
يَعُودُ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ التَّنَفُّسُ فِي الْإِنَاءِ، بِلَا إِبَانَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ أَنَسٍ (وَيَقُولُ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (هُوَ) أَيِ الشُّرْبُ بِالتَّنَفُّسِ ثَلَاثًا (أَمْرَأُ) أَيْ أَسْوَغُ وَأَهْضَمُ (وَأَرْوَى)
أَيْ أَكْثَرُ رِيًّا ; لِأَنَّهُ أَقْمَعُ لِلْعَطَشِ، وَأَقَلُّ أَثَرًا فِي بَرْدِ الْمَعِدَةِ، وَضَعْفِ الْأَعْصَابِ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِ وَغَيْرُهُ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَمْرَأُ وَأَرْوَى وَأَبْرَأُ، أَيْ أَكْثَرُ بُرْأً وَصِحَّةً.
وَقَدْ وَرَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْفَاسٍ، وَإِذَا أَدْنَى الْإِنَاءَ إِلَى فِيهِ سَمَّى اللَّهَ، وَإِذَا أَخَّرَهُ حَمِدَ اللَّهَ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا.
هَذَا وَقَدْ قِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْفَوَائِدِ الْمَذْكُورَةِ، فِي التَّنَفُّسِ خَارِجَ الْمَاءِ، أَنَّ التَّنَفُّسَ فِيهِ يُغَيِّرُ الْمَاءَ، إِمَّا لِتَغَيُّرِ الْفَمِ بِمَأْكُولٍ أَوْ تَرْكِ سِوَاكٍ، أَوْ لِأَنَّ التَّنَفُّسَ يَصْعَدُ بِبُخَارٍ فِي الْمَعِدَةِ.
قُلْتُ: وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنِ الْعَبِّ نَفَسًا وَاحِدًا، وَقَالَ: ذَلِكَ شُرْبُ الشَّيْطَانِ.
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُرْسَلًا.
" إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا، وَلَا يَعُبُّ عَبًّا، فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنَ الْعَبِّ ".
وَفِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا.
" إِذَا شَرِبْتُمُ الْمَاءَ فَاشْرَبُوهُ مَصًّا، وَلَا تَشْرَبُوهُ عَبًّا، فَإِنَّ الْعَبَّ يُورِثُ الْكُبَادَ.
وَمِنْ آفَاتِ الشُّرْبِ دُفْعَةً وَاحِدَةً أَنَّهُ يُخْشَى مِنَ الشَّرَقِ ; لِانْسِدَادِ مَجْرَى الشَّرَابِ; لِكَثْرَةِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ، فَإِذَا شَرِبَ عَلَى دُفْعَاتٍ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ، عَنْ سَعْدٍ مَرْفُوعًا التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ.
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) بِفَتْحِ خَاءٍ وَسُكُونِ شِينٍ مُعْجَمَتَيْنِ يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ (أَنْبَأَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ رِشْدِينَ) فِي التَّقْرِيبِ هُوَ بِكَسْرٍ فَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ فَدَالٍ مَكْسُورَةٍ، فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَنُونٍ قَالَ مِيرَكُ: هُوَ ضَعِيفٌ (ابْنِ كُرَيْبٍ) بِالتَّصْغِيرِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ كُرَيْبٍ وَهُوَ ثِقَةٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا شَرِبَ تَنَفَّسَ مَرَّتَيْنِ) أَيْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ
وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي جَامِعِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ» .
قَالَ مِيرَكُ: وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ ; لِأَنَّهُ إِنْ رَوَى بِنَفَسَيْنِ اكْتَفَى بِمَا، وَإِلَّا فَثَلَاثٌ وَهَذَا لَيْسَ نَصًّا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّنَفُّسُ فِي
[ ١ / ٢٥٣ ]
الْأَثْنَاءِ، وَسَكَتَ عَنِ التَّنَفُّسِ الْأَخِيرِ ; لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ فِي الْخَتْمِ.
(حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ) اتَّفَقَ اسْمُ الْوَلَدِ وَالْأَبِ وَهَذَا كَثِيرٌ كَمَا وَقَعَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَزَالِيِّ، وَكَذَا الْجَزَرِيُّ (بْنِ جَابِرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ) قِيلَ: اسْمُهُ أَسِيدٌ، وَقِيلَ: أُسَامَةُ (عَنْ جَدَّتِهِ كَبْشَةَ) بِفَتْحِ كَافٍ وَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ، قَالَ مِيرَكُ: كَبْشَةُ بِنْتُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةُ، أُخْتُ حَسَّانَ لَهَا صُحْبَةٌ وَحَدِيثٌ، وَيُقَالُ فِيهَا: كُبَيْشَةُ بِالتَّصْغِيرِ،، وَكَبْشَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّةُ زَوْجُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَهَا صُحْبَةٌ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّاوِيَةَ هُنَا هِيَ الْأُولَى، انْتَهَى. وَجَزَمَ شَارِحٌ وَقَالَ: كَبْشَةُ هِيَ كَبْشَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَيُقَالُ: كُبَيْشَةُ وَتُعْرَفُ بِالْبَرْصَاءِ، وَهِيَ جَدَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، وَهُوَ الرَّاوِي عَنْهَا، وَلَهَا صُحْبَةٌ (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ) أَيْ فِي بَيْتِي (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ) أَيْ مِنْ فَمِ قِرْبَةٍ (مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا) أَيْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ لِعَدَمِ إِمْكَانِ الشُّرْبِ مِنْهَا قَاعِدًا.
وَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ مِنْ نَهْيِهِ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ، عَلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَالشَّيْخَيْنِ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنِ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ، زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَاخْتِنَاثُهَا أَنْ يَقْلِبَ رَأْسَهَا ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ نَهْيٌ تَنْزِيهِيٌّ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ وَالْأَكْمَلِ، وَفَعَلَهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، (فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا) أَيْ قَاصِدًا إِلَى فَمِ الْقِرْبَةِ (فَقَطَعْتُهُ) أَيْ لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ، أَوْ لِعَدَمِ الِابْتِذَالِ، قَالَهُ مِيرَكُ: وَلَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ نَاقِلًا عَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَقَطْعُهَا فَمَ الْقِرْبَةِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَصُونَ مَوْضِعًا أَصَابَهُ فَمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْتَذَلَ وَيَمَسَّهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَالثَّانِي أَنْ تَحْفَظَهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ وَالِاسْتِشْفَاءِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ، انْتَهَى. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بِفَتْحِ مِيمٍ وَسُكُونِ هَاءٍ وَكَسْرِ دَالٍ مُهْمَلَةٍ وَيَاءٍ مُشَدَّدَةٍ، اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ هَدَى يَهْدِي كَرَمَى، وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ يَغْلَطُونَ فِي لَفْظِهِ فَيَكْسِرُونَ الْمِيمَ، وَفِي مَعْنَاهُ بِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْهَادِي (حَدَّثَنَا عَزْرَةُ) بِمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَزَايٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ بَعْدَهَا هَاءٌ (بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ ثُمَامَةَ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ) أَيْ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ (ثَلَاثًا) أَيْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ التَّنَفُّسِ (وَزَعَمَ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ) بِفَتْحِ أَنَّ لِأَنَّهُ مَفْعُولُ
زَعَمَ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى قَالَ، وَلِبَعْضِ الشُّرَّاحِ هُنَا مَقَالٌ كَاسِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى زَعْمٍ فَاسِدٍ (كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ الْمُعْتَادِ فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّسُ مَرَّتَيْنِ أَحْيَانًا.
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) بِالْجِيمَيْنِ مُصَغَّرًا (عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ) أَيِ ابْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ زَيْدٍ) بِالتَّنْوِينِ (ابْنِ) بِالْأَلِفِ وَهُوَ مَجْرُورٌ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنَ ابْنِ زَيْدٍ مُضَافًا إِلَى (ابْنَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ)
[ ١ / ٢٥٤ ]
أَيْ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَقِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَشَرِبَ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ، وَهُوَ قَائِمٌ) حَالٌ مِنْهُ ﵇ (فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) بِالتَّصْغِيرِ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهَا، وَهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا قَامَتْ وَمَشَتْ مُنْتَهِيَةً (إِلَى رَأْسِ الْقِرْبَةِ) أَيْ فَمِهَا (فَقَطَعَتْهَا) أَيْ فَقَطَعَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ رَأْسَ الْقِرْبَةِ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا قِطْعَةً فِي الْمَآلِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَقَطَعَتْهُ وَهِيَ الْقِيَاسُ.
قَالَ مِيرَكُ: وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ، مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَرَأَى قِرْبَةً مُعَلَّقَةً فِيهَا مَاءٌ، فَشَرِبَ مِنْهَا وَهُوَ قَائِمٌ، فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ فَقَطَعَتْهَا بَعْدَ شُرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، وَقَالَتْ: لَا يَشْرَبُ مِنْهَا أَحَدٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَالِاخْتِصَارُ مِنْ سِيَاقِ التِّرْمِذِيِّ، وَقَعَ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ أَوْ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ (النَّيْسَابُورِيُّ) بِفَتْحِ نُونٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ، كَانَ يُذَاكِرُ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَصَامَ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَتَصَدَّقَ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، مَاتَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ (أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ (الْفَرْوِيُّ) بِفَتْحِ فَاءٍ وَسُكُونِ رَاءٍ، مَنْسُوبٌ إِلَى جَدِّهِ أَبِي فَرْوَةَ (حَدَّثَتْنَا) بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ (عُبَيْدَةُ) بِالتَّصْغِيرِ، (بِنْتُ نَائِلٍ) بِالْهَمْزَةِ كَقَائِلٍ وَبَائِعٍ.
وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْكُورُ ثَانِيًا كَمَا سَيَأْتِي، فَإِطْلَاقُهُ مُوهِمٌ مُخِلٌّ، (عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَشْرَبُ قَائِمًا) أَيْ أَحْيَانًا أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الْوُضُوءِ أَوْ مَاءِ زَمْزَمَ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) وَفِي نُسْخَةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي أُخْرَى قَالَ أَبُو عِيسَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَيْ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ، أَوْ بَعْضُ أَصْحَابِ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، وَأَخْطَأَ شَارِحٌ حَيْثُ قَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَالَ أَبُو عِيسَى بَدَلَ قَالَ بَعْضُهُمْ، وَوَجْهُ الْخَطَأِ ظَاهِرٌ بَيِّنٌ لَا يَخْفَى
(عَنْ عُبَيْدَةَ بِنْتِ نَابِلٍ) أَيْ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَالْمَذْكُورُ أَوَّلًا هُوَ بِالْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ، انْتَهَى. وَفِيهِ مُسَامَحَةٌ لِأَنَّهُ بِالْهَمْزِ وَلَعَلَّهُ اعْتَبَرَ أَصْلَهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ النَّيْلِ أَوْ رَاعَى الْمَرْكَزَ، لَكِنَّ صَاحِبَ الْقَامُوسِ ذَكَرَ فِي مَادَّةِ النَّوْلِ أَنَّ نَائِلَةَ بِنْتَ أَسْلَمَ صَحَابِيَّةٌ، وَأَبُو نَائِلَةَ صَحَابِيٌّ، وَفِي مَادَّةِ النَّبْلِ بِالْمُوَحَّدَةِ نَبِيلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ صَحَابِيَّةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمَعْنَى إِلَّا أَبَا نَائِلَةَ، قَالَ مِيرَكُ: عُبَيْدَةُ بِالتَّصْغِيرِ بِنْتُ نَابِلٍ أَوَّلُهُ نُونٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ كَذَا صَحَّحَهُ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَاكُولَا، وَلَمْ يُصَحِّحِ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ يَعْنِي الْعَسْقَلَانِيَّ فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ عُبَيْدَةَ، وَلَا أَبَاهَا نَابِلَ قَالَ: عُبَيْدَةُ بِنْتُ نَابِلٍ مَقْبُولَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: وَكَذَا لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهَا فِي تَحْرِيرِ الْمُشْتَبَهِ هَذَا، وَفِي نُسْخَةٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُبَيْدَةُ أَيْ بِالتَّصْغِيرِ، قَالَ مِيرَكُ: كَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ نُورِ الدِّينِ الْأَيْجِيِّ، وَلَيْسَ فِيهَا بِنْتُ نَابِلٍ، فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهَذَا خِلَافُ تَصْحِيحِ ابْنِ مَاكُولَا، حَيْثُ قَالَ: عُبَيْدَةُ بِالتَّصْغِيرِ، فَالظَّاهِرُ إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ النُّسْخَةُ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَنْسُبْ عُبَيْدَةَ إِلَى أَبِيهَا، لِأَجْلِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، بَلْ قَالَ: حَدَّثَتْنَا عُبَيْدَةُ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَمَّ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ وَيَلِيهِ الْجُزْءُ الثَّانِي أَوَّلُهُ بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعَطُّرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
[ ١ / ٢٥٥ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ