النَّعْلُ قَدْ يَجِيءُ مَصْدَرًا وَقَدْ يَجِيءُ اسْمًا وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ هُنَا وَالثَّانِي هُوَ الْأَظْهَرُ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْآنَ التَّاسُومَةُ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يَقِي الْقَدَمَ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ، انْتَهَى. وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْمُحْكَمِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالنَّعْلُ لِبَاسُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّمَا اتَّخَذَ النَّاسُ غَيْرَهُ لِمَا فِي أَرْضِهِمْ مِنَ الطِّينِ، انْتَهَى: وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ لُبْسِ نَعْلِهِ ﷺ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ رَفَعَهُ: «اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ» . وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ صَاحِبَ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادَةِ وَالسِّوَاكِ وَالطَّهُورِ، وَكَانَ يُلْبِسُهُ نَعْلَيْهِ إِذَا قَامَ، وَإِذَا جَلَسَ جَعَلَهُمَا فِي ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَقُومَ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ): أَيِ الطَّيَالِسِيُّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ. (أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ): بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدِ مِيمٍ. . .
(عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَيْفَ كَانَ نَعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟): أَيْ أَلَهُ قِبَالَانِ أَمْ لَا؟ وَلَمْ يَقِلْ «كَانَتْ» ; لِأَنَّ تَأْنِيثَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَلَمَّا كَانَ النَّعْلُ مُؤَخَّرًا جَازَ تَذْكِيرُ «كَانَ» كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، فَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ كَانَ الْقِيَاسُ «كَانَتْ» لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَأْنِيثُهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ شَاعَ تَذْكِيرُهَا بِاعْتِبَارِ الْمَلْبُوسِ خَلَطَ بَيْنَ تَأْوِيلَيْنِ، وَالثَّانِي إِنَّمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ النَّعْلُ مُقَدَّمًا كَمَا لَا يَخْفَى. (قَالَ): كَانَ. (لَهُمَا): أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. (قِبَالَانِ): وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قَالَ أَنَسٌ: إِنَّ نَعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ لَهَا قِبَالَانِ. بِالْإِفْرَادِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ زِمَامُ النَّعْلِ، وَهُوَ سَيْرُهَا أَيْ دَوَالُهَا الَّذِي بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا، وَشِرَاكُ النَّعْلِ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْقِبَالُ هُوَ الزِّمَامُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ إِصْبَعَيِ الرِّجْلِ. وَفِي الْمُهَذَّبِ: الشِّسْعُ دَوَالُ النَّعْلَيْنِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. وَذَكَرَ الْجَزَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ لِنَعْلِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْرَانِ يَضَعُ أَحَدُهُمَا بَيْنَ إِبْهَامِ رِجْلِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا وَيَضَعُ الْآخَرَ بَيْنَ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا وَيَجْمَعُ السَّيْرَيْنِ إِلَى السَّيْرِ الَّذِي عَلَى وَجْهِ قَدَمِهِ ﷺ وَهُوَ الشِّرَاكُ. (يُحَدِّثُنَا أَبُو كُرَيْبٍ): بِالتَّصْغِيرِ. (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ): أَيِ الثَّوْرِيِّ لَا ابْنِ عُيَيْنَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ خِلَافًا لِمَنْ وَهِمَ مِنَ الشُّرَّاحِ. (عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ): بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ مَنْ يُقَدِّرُ النَّعْلَ وَيَقْطَعُهَا، قِيلَ: لَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ حَذَّاءٌ بَلْ لِجُلُوسِهِ فِي سُوقِ الْحَذَّائِينَ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ، وَقَدْ عِيبَ بِدُخُولِهِ فِي عَمَلِ السُّلْطَانِ. (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ): أَيِ ابْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيِّ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ لَهُ رِوَايَةٌ، وَلِأَبِيهِ وَجَدِّهِ صُحْبَةٌ، أَجْمَعُوا عَلَى تَوْثِيقِهِ، وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَالَانِ
[ ١ / ١٢٩ ]
مُثَنَّى): بِضَمِّ مِيمٍ وَفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مِنَ التَّثْنِيَةِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِفَتْحِ مِيمٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ وَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى أَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الثَّنْيِ صِفَةُ قِبَالَانِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ ضَبَطَ النُّسْخَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ مَثْنَى كَمَرْمَى، وَلَيْسَ فِي مَحَلِّهِ ; لِأَنَّ هَذَا مِنَ الثَّنْيِ وَهُوَ رَدُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ ; وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ هُنَا ; انْتَهَى. وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ مُرَادَ الْقَائِلِ كَمَرْمَى هُوَ بِعَيْنِهِ ضَبْطُ النُّسْخَةِ الثَّانِيَةِ وَمَآلُهُمَا وَمُؤَدَّاهُمَا وَمَادَّتُهُمَا وَاحِدٌ فَقَدْ قَالَ الْعِصَامُ: التَّثْنِيَةُ جَعْلُ الشَّيْءِ اثْنَيْنِ، وَرُبَّمَا يُقَيَّدُ مَثْنَى بِمَا يَجْعَلُهُ كَمَرْمَى اسْمَ مَفْعُولٍ، وَحِينَئِذٍ هُوَ مِنَ الثَّنْيِ وَهُوَ رَدُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرِ الْمَعْنَى فَمَنْ قَالَ الْمُثَنَّى وَالْمَثْنَى مُتَقَارِبَانِ لَمْ يَتَأَمَّلِ، انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّثْنِيَةَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّيْئَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَفِي الثَّنْيِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ رَدُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، وَهَذَا وَجْهُ التَّقَارُبِ فَإِنَّ الْخَاصَّ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْعَامِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ فِي التَّثْنِيَةِ لَا بُدَّ مِنَ انْفِصَالِهِمَا بِخِلَافِهِمَا فِي الثَّنْيِ فَإِنَّهُ
يُلَاحَظُ اتِّصَالُهُمَا كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْقَامُوسِ لِقَوْلِهِ: ثَنَى الشَّيْءَ كَسَعَى رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَتَثَنَّى، حِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّبَايُنُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُهُمَا مَعًا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ. (شِرَاكُهُمَا): بِالرَّفْعِ عَلَى نِيَابَةِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى وَجْهِهَا عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ.
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ): أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ): بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ. (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ طَهْمَانَ): بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ نَعْلَيْنِ جَرْدَاوَيْنِ): الْجَرْدَاءُ بِالْجِيمِ مُؤَنَّثُ الْأَجْرَدِ أَيِ الَّتِي لَا شَعْرَ عَلَيْهَا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ خَلَقَيْنِ وَوَافَقَهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى، وَفِي التَّاجِ لِلْبَيْهَقِيِّ الْأَجْرَدُ الشَّعْرُ الصِّغَارُ. (لَهَا قِبَالَانِ قَالَ): أَيِ ابْنُ طَهْمَانَ. (فَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ): أَيِ الْبُنَانِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ. (بَعْدُ): مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ مَقْطُوعٌ عَنِ الْإِضَافَةِ، أَيْ بَعْدَ هَذَا الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَ إِخْرَاجِ أَنَسٍ النَّعْلَيْنِ إِلَيْنَا. (عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُمَا): أَيِ النَّعْلَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ. (كَانَتَا نَعْلَيِ النَّبِيِّ ﷺ): وَكَانَ ابْنُ طَهْمَانَ رَأَى النَّعْلَيْنِ عِنْدَ أَنَسٍ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ نِسْبَتَهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْنٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا): وَفِي نُسْخَةٍ «أَنْبَأَنَا» . (مَالِكٌ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ): اسْمُهُ كَيْسَانُ بْنُ سَعِيدٍ. (الْمَقْبُرِيُّ):
بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمٍّ، وَيُفْتَحُ نِسْبَةً إِلَى مَقْبَرَةٍ بِالْكُوفَةِ، كَانَ يَنْزِلُ بِهَا وَقِيلَ نُسِبَ إِلَيْهَا
[ ١ / ١٣٠ ]
لِزُهْدِهِ وَكَثْرَةِ زِيَارَةِ الْمَقَابِرِ، وَقِيلَ: كَانَ يَحْفَظُ مَقْبَرَةَ ابْنِ دِينَارٍ، رَوَى عَنْهُ السِّتَّةُ وَهُوَ تَابِعِيٌّ ; لِأَنَّهُ يَرْوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ) بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا، وَبِالْجِيمَيْنِ وَالرَّاءِ فِي أَخِيرِهِمَا، أَخْرَجَ حَدِيثَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ مَدَنِيٌّ تَابِعِيٌّ (أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُكَ) أَيْ أَبْصَرْتُكَ حَالَ كَوْنِكَ (تَلْبَسُ النِّعَالَ) أَيْ تَخْتَارُ لُبْسَهَا (السِّبْتِيَّةِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَنْسُوبَةٌ إِلَى السِّبْتِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ الْمَدْبُوغَةُ وَنَقَلَهُ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهَا هِيَ الَّتِي حُلِقَتْ عَنْهَا شَعْرُهَا وَأُزِيلَتْ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ السَّبْتِ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْقَطْعَ، فَالْحَلْقُ بِمَعْنَاهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ لِمَا سَيَأْتِي، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَإِنَّمَا اعْتُرِضَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا نِعَالُ أَهْلِ النِّعْمَةِ وَالسَّعَةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْ ثَمَّةَ لَمْ يَلْبِسْهَا الصَّحَابَةُ، كَمَا أَفَادَهُ خَبَرُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ السَّائِلَ قَالَ لَهُ: رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ، لَمْ يَفْعَلْ أَصْحَابُنَا، وَعَدَّ هَذِهِ مِنْهَا.
أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ السَّائِلِ مِنْهُ أَنْ يَعْرِفَ مَا الْحِكْمَةُ فِي اخْتِيَارِهِ إِيَّاهَا وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ الصَّحَابَةَ مَا كَانُوا يَتَقَيَّدُونَ بِنَوْعٍ مِنَ اللُّبْسِ أَوِ الْأَكْلِ إِلَّا مَا فِيهِ الْمُتَابَعَةُ وَالِاقْتِدَاءُ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَابِسَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ فَانْدَفَعَ مَا قَالَ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّ مَسَاقَ الْكَلَامِ يُفِيدُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ حِينَ التَّخَاطُبِ لَابِسَ النَّعْلِ السِّبْتِيَّةِ، فَقَالَ مَا فِي الْجَوَابِ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّلِ، وَكَذَا بَطَلَ مَا تَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِقَوْلِهِ: وَيُرَدُّ بِأَنَّ التَّرْكَ حِينَ السُّؤَالِ لَا يَسْتَدْعِي التَّرْكَ الْمُطْلَقَ وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَيُحْمَلُ تَرْكُهَا لِعُذْرٍ، كَعَدَمِ وِجْدَانِهَا وَإِلَّا فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمُبَاحِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُ فِي جَوَابِهِ (قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي) وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي الَّتِي (لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أَيْ فَوْقَهَا أَوْ هُوَ لَابِسُهَا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ حَالَ بَلَلِ الرِّجْلِ لَمْ يَكُنْ يَحْتَرِزُ عَنْهَا، اعْتِمَادًا عَلَى أَصْلِ طَهَارَتِهَا، أَوْ حُصُولِ الطَّهَارَةِ بِدِبَاغَتِهَا، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الشَّعْرَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الدِّبَاغُ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِذَلِكَ (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبِسَهَا) أَيْ لِمُتَابَعَةِ الْهَدْيِ، لَا لِمُوَافَقَةِ الْهَوَى، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِهَا فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ لُبْسُهَا فِي الْمَقَابِرِ لِحَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي الْمَقَابِرِ وَعَلَيَّ نَعْلَانِ إِذَا رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ خَلْفِي، يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، إِذَا كُنْتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَاحْتَجَّ عَلَى مَا ذُكِرَ وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِخَلْعِهِمَا لِأَذًى كَانَ فِيهِمَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَيِّتَ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ النِّعَالِ فِي الْمَقَابِرِ، قَالَ: وَثَبَتَ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي نَعْلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَازَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِالنَّعْلِ، فَالْمَقْبَرَةُ أَوْلَى، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالنَّهْيِ إِكْرَامَ الْمَيِّتِ كَمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ
الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ، وَلَيْسَ ذِكْرُ السِّبْتِيَّتَيْنِ لِلتَّخْصِيصِ بَلِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَشْيِ عَلَى الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ) مَرَّ ذِكْرُهُمْ (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) بِهَمْزٍ وَيُبْدَلُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَاسْمُ وَالِدِهِ مُحَمَّدٌ وَاسْمُ
[ ١ / ١٣١ ]
جَدِّهِ الْمُغِيرَةُ قَالَ مِيرَكُ: كَانَ كَبِيرَ الشَّأْنِ (عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ) بِفَتْحِ فَوْقِيَّةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ هَمْزَةٍ، وَهِيَ امْرَأَةٌ لَهَا صُحْبَةٌ وَسُمِّيَتْ تَوْأَمَةً ; لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعَ أُخْتٍ فِي بَطْنٍ وَهِيَ أُخْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ، وَصَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ابْنُ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَ قَبْلَ تَغَيُّرِهِ ثَبْتًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَالَانِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ) تَقَدَّمَ (قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) أَيِ: الثَّوْرِيُّ لِأَنَّهُ الرَّاوِي عَنِ السُّدِّيِّ لَا ابْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا فِي الشَّرْحِ (عَنِ السُّدِّيِّ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ مُحَمَّدٌ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ، وَفِي الصِّحَاحِ السُّدَّةُ بَابُ الدَّارِ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مَنْ يَغْشَ سُدَدَ السُّلْطَانِ، يَقُمْ وَيَقْعُدْ وَسُمِّيَ إِسْمَاعِيلُ السُّدِّيَّ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْمَقَانِعَ الْحُمُرَ فِي سُدَّةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَهِيَ مَا يَبْقَى مِنَ الطَّاقِ الْمَسْدُودِ، وَقَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ، وَقَالَ مِيرَكُ: مَنْسُوبٌ إِلَى السُّدَّةِ، وَهِيَ صِفَةٌ فِي بَابِ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فِي الْكُوفَةِ كَانَ السُّدِّيُّ يَسْكُنُهَا وَهُوَ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ الْمُفَسِّرُ الْمَشْهُورُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ، وَأَمَّا السُّدِّيُّ الصَّغِيرُ فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ حَفِيدُهُ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَاتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ بِالْكَذِبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا انْتَهَى، وَهُوَ ابْنُ ابْنَةِ السُّدِّيِّ الْكَبِيرِ، أَوِ ابْنُ أُخْتِهِ رُمِيَ بِالرَّفْضِ (قَالَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ) بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ قُرَشِيٌّ مَخْزُومِيٌّ، صَحَابِيٌّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ ابْنُ عَشْرَةٍ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ وَخَلِيفَةُ وَأَصْبَغُ وَهَارُونُ مَوَالِيهِ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ سُوَيْعٍ وَسُرَاقَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ التَّصْرِيحَ بِاسْمِ مَنْ حَدَّثَ السُّدِّيَّ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَظُنُّهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، فَإِنَّهُ
اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَالسُّدِّيُّ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ ; فَلِذَا أَبْهَمَهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ ; لِئَلَّا يُفْطَنَ لَهُ لَكِنْ لِلْحَدِيثِ شَاهِدٌ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمَّنْ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ (يَقُولُ) أَيْ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي صَلَاةِ جَنَازَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْخَصْفُ الْخَرَزُ، وَنَعْلٌ مَخْصُوفَةٌ
[ ١ / ١٣٢ ]
أَيْ ذَاتُ الطِّرَاقِ، وَكُلُّ طِرَاقٍ مِنْهَا خَصْفَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَخْصِفُ نَعْلَيْهِ بِنَفْسِهِ ; لِمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيُرَقِّعُ دَلْوَهُ، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَفِي شَرْحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُرَقَّعَةُ
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) تَقَدَّمَ (عَنِ الْأَعْرَجِ) اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَبُو دَاوُدَ الْمُزَنِيُّ اشْتُهِرَ بِهَذَا اللَّقَبِ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يَمْشِي، وَهَذَا نَفْيٌ صُورَةً وَنَهْيٌ مَعْنًى، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ الصَّرِيحِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْعِصَامِ نُسْخَةُ لَا يَمْشِي، تَسْتَدْعِي حَمْلَ لَا يَمْشِيَنَّ عَلَى الْخَبَرِ الْوَاقِعِ مَوْقِعَ النَّهْيِ، دُونَ النَّهْيِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، لِنُسْخَةِ لَا يَمْشِي بِالنَّهْيِ، ثُمَّ مَحَلُّ النَّهْيِ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ رُبَّمَا فَعَلَهُ، انْتَهَى، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ فِعْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ النَّهْيِ أَوْ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ (فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ) وَرُوِيَ وَاحِدَةٌ بِالتَّأْنِيثِ، كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: وَالنَّعْلُ مُؤَنَّثٌ وَوَصْفُهَا بِالْوَاحِدِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ ; لِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، انْتَهَى، وَالصَّوَابُ أَنَّ تَذْكِيرَهُ بِتَأْوِيلِ الْمَلْبُوسِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمَشْيُ يَشُقُّ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، مَعَ سَمَاجَتِهِ فِي الشَّكْلِ، وَقُبْحِ مَنْظَرِهِ فِي الْعُيُونِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَ جَوَارِحِهِ، وَرُبَّمَا نُسِبَ فَاعِلُ ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَالِ الرَّأْيِ وَضَعْفِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّهَا مِشْيَةُ الشَّيْطَانِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الِاعْتِدَالِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْكَرَاهَةُ لِلشُّهْرَةِ فَيَمْتَدُّ الْإِبْصَارُ لِمَنْ يُرَى ذَلِكَ مِنْهُ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الشُّهْرَةِ
فِي اللِّبَاسِ وَكُلِّ شَيْءٍ صَيَّرَ صَاحِبَهُ مَشْهُورًا، فَحَقُّهُ أَنْ يُجْتَنَبَ كَذَا حَقَّقَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقَالَ: قَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا فِي خُفٍّ وَاحِدٍ (لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهِمَا وَسُكُونِ اللَّامِ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ مَكْسُورٌ لِلْأَمْرِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: ضَبْطُ النَّوَوِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَنْعَلَ، وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ، بِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: نَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَانْتَعَلَ أَيْ لَبِسَ النَّعْلَ، لَكِنْ قَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَيْضًا أَنْعَلَ رِجْلَهُ أَلْبَسَهَا نَعْلًا، وَأَنْعَلَ دَابَّتَهُ جَعَلَ لَهَا نَعْلًا، وَالْحَاصِلُ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلْقَدَمَيْنِ تَعَيَّنَ الضَّمُّ، وَإِنْ كَانَ لِلنَّعْلَيْنِ تَعَيَّنَ الْفَتْحُ انْتَهَى، وَأَقُولُ إِنْ كَانَ الضَّمِيرُ لِلْقَدَمَيْنِ جَازَ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ لِمَا فِي الْقَامُوسِ، نَعِلَ كَفَرِحَ وَتَنَعَّلَ وَانْتَعَلَ لَبِسَهَا، وَنَعَلَهُمْ كَمَنَعَ وَهَبَ لَهُمُ النِّعَالَ، وَالدَّابَّةَ أَلْبَسَهَا النَّعْلَ، كَأَنْعَلَهَا وَنَعَّلَهَا، وَقَدْ نَقَلَ الْعِصَامُ عَنِ الْعَسْقَلَانِيِّ: أَنَّهُ مَعَ جَعْلِ الضَّمِيرِ لِلْقَدَمَيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا أَوْ مَزِيدًا، وَإِنْ كَانَ لِلنَّعْلَيْنِ فَهُوَ مُجَرَّدٌ، فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ إِنْ جَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْقَدَمَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ الْمُجَرَّدَ ; لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلُبْسِ الْقَدَمَيْنِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا قَالَ بَعْضُهُمْ لَكِنَّ قَوْلَهُ (أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا) يُؤَيِّدُ ضَبْطَ النَّوَوِيِّ فَإِنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَدَمَيْنِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ
[ ١ / ١٣٣ ]
لِيَنْعَلْهُمَا لِلْقَدَمَيْنِ أَيْضًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «لِيَخْلَعْهُمَا» عَلَى مَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الشَّمَائِلِ وَرِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ. وَالْمُوَطَّأُ يُؤَيِّدُ الْفَتْحَ، نَعَمْ، الْأَظْهَرُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّعْلَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ الْمَتْنِ الْمُطَابِقَةِ لِمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَدَمَيْنِ، وَكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ تَبَعًا لِلْعِصَامِ، وَرِوَايَةُ: فَلْيَخْلَعْهُمَا لَا تُعَيِّنُ الضَّمِيرَ لِلنَّعْلَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ فِيهِ حَذْفًا، أَيْ لِيَخْلَعَ نَعْلَيْهِمَا فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلُهُ: لِيَنْعَلْهُمَا أَرَادَ الْقَدَمَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْرٌ، وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَجَاءَ فِي الْقُرْآنِ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَرَادَ قَوْلَهُ تَعَالَى: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ وَقَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ ثُمَّ كَلِمَةُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ وَقَوْلُهُ: (جَمِيعًا) مُؤَكِّدٌ لِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَى مَعًا، وَقَوْلُهُ: لِيُحْفِهِمَا ضُبِطَ فِي أَصْلِنَا بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، مِنَ الْإِحْفَاءِ وَهُوَ الْإِعْرَاءُ عَنِ النَّعْلِ وَالْخُفِّ، وَقَالَ الْحَنَفِيُّ: وَرُوِيَ بِفَتْحِهِمَا مِنْ حَفِيَ يَحْفَى مِنْ بَابِ عَلِمَ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مَعْنًى ; لِأَنَّ يَحْفَى لَيْسَ بِمُتَعَدٍّ انْتَهَى. وَتَكَلَّفَ ابْنُ حَجَرٍ لَهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ مِنَ الْحَفَاءِ وَهُوَ الْمَشْيُ بِلَا خُفٍّ وَنَعْلٍ، وَالتَّعْدِيَةُ حِينَئِذٍ مَجَازِيَّةٌ وَالْأَصْلُ لِيَحُفَّ بِهِمَا، فَحَذَفَ الْجَارَّ اخْتِصَارًا انْتَهَى. يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، لَكِنْ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى حَالَ الِانْفِصَالِ وَالِاتِّصَالِ، ثُمَّ قَالَ: أَوْ يُضَمِّنُ الْمُجَرَّدَ مَعْنَى الْمُتَعَدِّي بِلَا حَذْفٍ انْتَهَى. وَهُوَ أَبْعَدُ مِنَ الْأَوَّلِ فِي ظُهُورِ الْحَالِ وَالْمَآلِ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّ هَذَا أَمْرُ إِرْشَادٍ ; لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ لَا يَأْمَنُ الْعِثَارَ، وَأَيْضًا يُوجِبُ الِاسْتِهْزَاءَ بِهِ، وَلَا يُنَافِي كَرَاهَةُ الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ فِعْلَ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ لَهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لِعُذْرٍ، أَوْ لِكَوْنِ النَّهْيِ مَا بَلَغَهُمْ إِنْ ثَبَتَ تَأَخُّرُ فِعْلِهِمْ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِهِ، يَرُدُّهُ صَرِيحُ السُّنَّةِ انْتَهَى. وَفِيهِ بَحْثٌ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْإِرْشَادِ أَوْ لِلنَّدْبِ فَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ لَا بَأْسَ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي خِلَافِ الْأَوْلَى، وَفِي كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ أَيْضًا، وَذُكِرَ فِي شَرْحِ
السُّنَّةِ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الرُّخْصَةِ بِالْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ أَحَادِيثٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا انْتَهَى. وَكَفَى بِفِعْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ جَوَازًا، وَابْنُ سِيرِينَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَا يَلِيقُ الطَّعْنُ بِهِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ إِخْرَاجَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ مِنَ الْكُمِّ، وَإِلْقَاءَ الرِّدَاءِ عَلَى إِحْدَى الْمَنْكِبَيْنِ، وَلُبْسَ نَعْلٍ فِي رِجْلٍ وَاحِدٍ، وَخُفٍّ فِي أُخْرَى، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا لَا يُجْدِي، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رُزَيْنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ أَوْ شِرَاكُهُ فَلَا يَمْشِ فِي أَحَدَيْهِمَا، بِنَعْلٍ وَالْأُخْرَى حَافِيَةٌ، لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا، فَقَدْ قَالَ مِيرَكُ: هَذَا لَا مَفْهُومَ لَهُ حَتَّى يَدُلَّ عَلَى الْإِذْنِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، وَهُوَ التَّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ; لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ مَعَ الِاحْتِيَاجِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَهَذَا دَالٌّ عَلَى ضَعْفِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ، حَتَّى يُصْلِحَهَا، قَالَ مِيرَكُ: هَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وَلَمْ أَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي أَصْلِ التِّرْمِذِيِّ، بَلْ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رُبَّمَا مَشَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ، وَصَاحِبُ الْمِشْكَاةِ، وَالشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمَصَابِيحِ، عَنِ التِّرْمِذِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ: وَوَجْهُ إِدْخَالِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَمْشِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَنْهِيَّةِ عَنْهَا أَصْلًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَضْعِيفِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَنَحْوَهُ) بِالنَّصْبِ أَيْ مِثْلَهُ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَتْنِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِنَحْوِهِ، نَحْوَ الْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ إِلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ فَلَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ قُتَيْبَةَ مُنْقَطِعٌ وَمُرْسَلٌ ; لِإِسْقَاطِ الْأَعْرَجِ عَنِ الْإِسْنَادِ وَإِسْنَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ، نَعَمْ كَانَ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ عَنْ مَالِكٍ وَيَزِيدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ يَعْنِي) هَذَا كَلَامُ جَابِرٍ أَوِ الرَّاوِي عَنْهُ مَعَ بُعْدٍ يَعْنِي يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ بِضَمِيرِ يَأْكُلُ، (الرَّجُلَ) وَالْمَرْأَةُ تَابِعَةٌ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إِلَى جَابِرٍ، وَقَوْلُهُ: (بِشِمَالِهِ) بِكَسْرِ الشِّينِ مُتَعَلِّقٌ بِيَأْكُلُ (أَوْ يَمْشِي) عَطْفٌ عَلَى يَأْكُلُ (فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) بِالتَّأْنِيثِ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ عَنْهُمَا تَشَبُّهُ الشَّيْطَانِ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ فَكُلُّ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، قَالَ الْحَنَفِيُّ: شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْوَاوِ، فَيَكُونُ كِلَاهُمَا مَنْهِيًّا، وَفِيهِ أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى الْوَاوِ
يُوهِمُ فَسَادَ الْمَعْنَى ; لِإِيهَامِهَا أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ اجْتِمَاعُهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ عَلَى حَدِّ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا
[ ١ / ١٣٤ ]
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ ح) وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الْحَاءِ وَحَالِهِ (وَأَخْبَرَنَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنْبَأَنَا (إِسْحَاقُ) أَيِ: ابْنُ مُوسَى كَمَا فِي نُسْخَةٍ (أَخْبَرَنَا مَعْنٌ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ أَحَدُكُمْ نَعْلَيْهِ (فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ) أَيْ بِالْجَانِبِ الْيَمِينِ مِنَ الرِّجْلَيْنِ أَوِ النَّعْلَيْنِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى وَإِذَا نَزَعَ) أَيْ أَرَادَ خَلْعَهُمَا (فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ) أَيْ بِالْجَانِبِ الشِّمَالِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْحِذَاءُ كَرَامَةٌ لِلرَّجُلِ، حَيْثُ أَنَّهُ وِقَايَةٌ مِنَ الْأَذَى، وَإِذَا كَانَتِ الْيُمْنَى أَفْضَلَ مِنَ الْيُسْرَى، اسْتُحِبَّ التَّبْدِئَةُ بِهَا فِي لُبْسِ النَّعْلِ، وَالتَّأْخِيرُ فِي نَزْعِهِ، لِيُوَفِّرَ بِدَوَامِ لُبْسِهَا حَظَّهَا مِنَ الْكَرَامَةِ انْتَهَى. وَأَمَّا الْحَفَاءُ فَإِنَّهُ تَارَةً فِيهِ الْكَرَامَةُ، وَأُخْرَى فِيهِ الْإِهَانَةُ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْعِصَامُ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ الْيَمِينِ إِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ أَقْوَى مِنَ الْيَسَارِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أُخْرِجَ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّهُ إِرْشَادِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ، وَهُوَ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ الْإِرْشَادِيَّ لَا يَكُونُ بَاطِلًا وَلَا مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ، وَلَا مُنَافِيًا لِكَلَامِ الْأَئِمَّةِ، كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذَا الْبَحْثِ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى عِلَّةِ تَقْدِيمِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ (فَلْتَكُنِ الْيُمْنَى) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَلْيَكُنِ الْيَمِينُ، وَيُؤَيِّدُهُ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَيَنْصُرْهُ قَوْلُهُ: (أَوَّلَهُمَا) وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (تُنْعَلُ) عَلَى خِلَافٍ فِي تَأْنِيثِهِ وَتَذْكِيرِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ فَيَكُونُ تَذْكِيرُهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْعُضْوِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَيُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَيُنْعَلُ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ قَوْلُهُ: (وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ) وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ هُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى خَبَرِ كَانَ، أَوْ عَلَى الْحَالِ، وَالْخَبَرُ تُنْعَلُ، وَتُنْزَعُ وَضُبِطَا بِمُثَنَّاتَيْنِ فَوْقَانِيَّتَيْنِ وَتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُذَكَّرَيْنِ قَالَ مِيرَكُ، وَالْأَوَّلُ فِي رِوَايَتِنَا عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَيْنِ رَاجِعَانِ إِلَى الْيُمْنَى، وَالثَّانِي مِمَّا ضَبَطَهُ الشَّيْخُ، وَأَفَادَ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ النَّعْلِ وَالْخَلْعِ، يَعْنِي بِهِمَا الْمَصْدَرَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ مِنَ الْفِعْلَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا لَا يَخْلُو عَنْ خَفَاءٍ.
أَقُولُ بَلْ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى أَصْلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّذْكِيرَ، إِمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْيَمِينِ، وَإِمَّا عَلَى تَأْوِيلِ الْيُمْنَى بِالْعُضْوِ، كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ سَابِقًا، وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَمْرَ يَجْعَلُ هَذِهِ الْخَصْلَةَ مَلَكَةً رَاسِخَةً ثَابِتَةً دَائِمَةً لِمَا أَنَّ النُّفُوسَ تَأْخُذُ هَذَا الْأَمْرَ هَيِّنًا، أَوْ أَنَّهَا اعْتَادَتْ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى فَكَانَ مَظِنَّةَ فَوْتِ تَقْدِيمِ الْيُسْرَى، هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الْعِصَامِ
وَأَقُولُ بَلْ فِيهِ زِيَادَةُ إِفَادَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْفِعْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ عَلَى النَّهْجَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، إِنَّمَا هُوَ رِعَايَةُ إِكْرَامِ الْيُمْنَى فَقَطْ نَعْلًا وَخَلْعًا، حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ سَاوَى بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، بِأَنْ أَعْطَى كُلًّا مِنْهُمَا ابْتِدَاءً فِي أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ، وَنَظِيرُهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَتَقْدِيمُ الْيُسْرَى فِي خُرُوجِهِ، وَعَكْسُهُ فِي دُخُولِ الْخَلَاءِ وَخُرُوجِهِ، وَبِهِ بَطَلَ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ فَائِدَتَهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى فِي الْأَوَّلِ لَا يَقْتَضِي تَأْخِيرَ نَزْعِهَا ; لِاحْتِمَالِ إِرَادَةِ نَزْعِهِمَا مَعًا، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ
[ ١ / ١٣٥ ]
فَقَدْ وَهِمَ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَكَلَّفَ مَعْنًى غَيْرَ مَا قُلْتُ يُخْرِجُهُ بِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ، فَقَدْ أَتَى بِمَا يَمُجُّهُ السَّمْعُ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ نَزْعَهُمَا مَعًا وَلُبْسَهُمَا مَعًا مَا لَا يَكَادُ يُتَصَوَّرُ فِي أَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ، فَهُوَ أَوْلَى بِمَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا يَمُجُّهُ السَّمْعُ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ هَذَا، وَقَدْ قَالَ مِيرَكُ: زَعَمَ بَعْضُ النُّقَّادِ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنَ الْحَدِيثِ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ بِالشِّمَالِ، وَقَوْلُهُ: فَلْيَكُنْ إِلَى آخِرِ قَوْلِهِ: تُنْزَعُ، مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرُّوَاةِ شَرْحًا، وَتَأْكِيدًا لِمَا سَبَقَ.
(حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْعَثُ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَفِي إِيرَادِ الْجُمْلَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ شُعْبَةَ أَطْلَقَ أَشْعَثَ وَمُرَادُهُ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ ; لِيُظْهِرَ قَوْلَهُ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ) أَيِ اسْتِعْمَالَ الْيُمْنَى وَتَقْدِيمَ جَانِبِ الْيُمْنَى فِي الْأُمُورِ الشَّرِيفَةِ (مَا اسْتَطَاعَ) أَيْ مُدَّةَ دَوَامِ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِاخْتِيَارِ التَّيَمُّنِ وَمُبَالَغَةٌ فِي عَدَمِ تَرْكِهِ، كَمَا هُوَ الْعُرْفُ فِي أَمْثَالِهِ، وَنَظِيرُهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ قَالَ الْعِصَامُ: وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ رُبَّمَا يَتْرُكُهُ لِلضَّرُورَةِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﷺ خِلَافُ التَّيَمُّنِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ ذَكَرَهُ احْتِرَازًا عَمَّا إِذَا احْتِيجَ لِلْيَسَارِ لِعَارِضٍ بِالْيَمِينِ، فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَقْدِيمِهَا حِينَئِذٍ انْتَهَى. وَهُوَ مُقَرَّرٌ إِذِ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ مُرَادَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَكْتَفِي بِالْيَمِينِ فِيمَا لَمْ يَتَعَسَّرِ احْتِرَازًا عَنْ نَحْوِ غَسْلِ الْوَجْهِ، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ أَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ بِأَنْ كَانَ يُرِيدُ مَثَلًا أَنْ يَأْخُذَ الْعَصَا وَالْكِتَابَ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا بِالْيَمِينِ وَالْآخَرَ بِالْيَسَارِ، وَكَمَا وَقَعَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْلِ الْقِثَّاءِ وَالرُّطَبِ بِالْيَدَيْنِ، وَكَمَا فِي لُبْسِ النَّعْلَيْنِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى اسْتِعْمَالِ الْيَدَيْنِ، وَجَوَّزَ مِيرَكُ أَنْ يَكُونَ [مَا] فِي (مَا اسْتَطَاعَ) مَوْصُولَةً فَيَكُونَ بَدَلًا مِنَ التَّيَمُّنِ (فِي تَرَجُّلِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَجِبُ أَيْ فِي شَأْنِ تَرْجِيلِ شَعْرِهِ وَهُوَ تَمْشِيطُهُ وَتَسْرِيحُهُ وَدَهْنُهُ (وَتَنَعُّلِهِ) أَيْ فِي لُبْسِ نَعْلِهِ (وَطُهُورِهِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ عَلَى أَنَّهَا لُغَتَانِ فِي الْمَعْنَى الِاسْمِيِّ وَهُوَ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، فَالتَّقْدِيرُ اسْتِعْمَالُ طَهُورِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ لَيْسَ لِإِرَادَةِ انْحِصَارِهَا بَلْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي التَّيَمُّنَ مِنَ الْفَرْقِ إِلَى الْقَدَمِ، وَفِي كُلِّ الْبَدَنِ، وَمِمَّا وَرَدَ فِي بَابِ التَّنَعُّلِ وَالنَّاسُ عَنْهُ غَافِلُونَ، مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَنَعَّلَ الرَّجُلُ قَائِمًا، لَكِنْ ذُكِرَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمَشَقَّةٍ تَلْحَقُ فِي لُبْسِ نِعَالٍ فِيهَا سُيُورٌ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اللُّبْسُ بِدُونِ إِعَانَةِ الْيَدِ، فَلَا نَهْيَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ، أَقُولُ وَفِي مَعْنَى التَّنَعُّلِ الْمَنْهِيِّ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ وَالسَّرَاوِيلِ قَائِمًا، فَإِنَّ الْكَرَاهَةَ
مُحَقَّقَةٌ فِيهِمَا ; لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ بِلُبْسِهِمَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ عَنْهُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ الْيَمِينِ فِيهِمَا، وَمُلَاحَظَةِ لُبْسِ النَّعْلِ وَخَلْعِهَا فِيهِمَا أَيْضًا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَلْتَفِتُونَ، وَعَنِ الْمُرَاعَاةِ جَاهِلُونَ، وَعَنْ مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ مَحْرُومُونَ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ) أَيِ الضَّبِّيُّ الزَّعْفَرَانِيُّ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ السِّتَّةُ (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) قَالَ الْعِصَامُ: الْمُسَمَّى بِهِشَامٍ فِي أَسَانِيدِ الشَّمَائِلِ خَمْسَةٌ (عَنْ مُحَمَّدٍ) أَيِ ابْنِ سِيرِينَ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) أَيْ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمَا (قِبَالَانِ) فَصَلَ بِهِ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا مَعْمُولَا فِعْلٍ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ الْمُضَافُ، وَقِبَالَانِ مَعْمُولُ كَانَ إِشَارَةً إِلَى الِاهْتِمَامِ بِهِ وَأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْإِخْبَارِ (وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ﵄ أَيْ وَكَذَا لِنَعْلِ أَبِي بَكْرٍ
[ ١ / ١٣٦ ]
وَعُمَرَ قِبَالَانِ (وَأَوَّلُ مَنْ عَقَدَ عَقْدًا) أَيِ اتَّخَذَ قِبَالًا (وَاحِدًا عُثْمَانُ) ﵁، إِشَارَةً إِلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ لُبْسَهُ ﷺ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُعْتَادِ، لَا عَلَى قَصْدِ الْعِبَادَةِ، عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ أَرْبَعَةٌ: مُبَاحٌ وَمُسْتَحَبٌّ وَوَاجِبٌ وَفَرْضٌ، وَلَوْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ عُثْمَانُ ﵁ لَتُوُهِّمَ كَرَاهَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى قِبَالٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى ; لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَصَاحِبَاهُ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ تَرْكَ لُبْسِ النَّعْلَيْنِ وَلُبْسَ غَيْرِهِمَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ أَيْضًا.