لقد نص المحدثون من علماء الإسلام على أن النظر في الخبر الواحد لتحقيقه وفحصه، تستصحب معه الأخبار التي تعارضه حقيقة أو ظاهرا، لأنه قد يكون في الوقائع المقررة ما قد يعارضه، أو يرد في أخبار أخرى ما قد يشوش عليه. ولهذا فقد أفرد المصنفون في مصطلح الحديث نوعين لمعارض الحديث وهما معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث، ومعرفة مختلف الحديث.
وقد طبق النقاد هذا المنهج فكانوا ينظرون: لعل للخبر ما يناقضه. وإن هذا المنهج مقرر في مناهج النقد التاريخي عامة، وليس فقط في مجال الحديث والسيرة النبوية. فالواجب على المؤرخ الناقد - وهو ينظر في الخبر- أن يستحضر احتمال وجود خبر يعارضه، ينفي ما يثبته، أو يثبت ما ينفيه. ولهذا فالواجب عليه أن ينتشر بحثه ويتسع نظره خارج الخبر، فإن وجد له معارضا وجب ضمه إليه. "فقد تتعدد الروايات التاريخية في أمر واحد، فتتوافق أو تتناقض، وحيث تتناقض يحسن بالمؤرخ أن يؤكد بادئ ذي بدء وقوع التعارض". (١) ثم عليه في هذه الحال الترجيح بين الخبرين. فلا يجوز بحال للمؤرخ أن يقتصر على خبر واحد له ما يعارضه. ولهذا نجد ابن جرير الطبري – وهو من أشهر من ألف في التاريخ - قد يورد في تاريخه الروايات المتناقضة في الحدث الواحد، في موضع واحد من كتابه (٢)، وقصده من ذلك التيسير على المؤرخ الناقد ليعتبر هذه الروايات بعضها ببعض فيجتهد في الترجيح. ثم إن المؤرخ لا ينزل الخبر الذي له معارض منزلة الخبر الذي لم يجد له معارضًا.
_________________
(١) "مصطلح التاريخ" ص: ٨٦.
(٢) "انظر " مصادر السيرة النبوية وتقويمها" للدكتور فاروق حمادة، ص: ١١١.
[ ٣٢ ]
وهذا الأصل - كما تقدم - راسخ عند علماء الحديث حتى عَدُّوه نوعًا من مصطلح الحديث سموه "مختلف الحديث".
ومن أمثلة استحضار معارض الخبر في نقد أخبار السيرة النبوية أن البخاري أخرج في صحيحه (١) حديث ابن عباس: "تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم". والحديث من جهة إسناده صحيح ثابت عن ابن عباس، ومع ذلك فإن الحافظ ابن حجر لم يقتصر عليه، وإنما بحث له عن معارض فوجد أحاديث تعارضه، ونقل عن العلماء أقوالًا في بيان وقوع التعارض وفي الترجيح. مما ذكر من ذلك قول ابن عبد البر:"اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال، جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، لكن الوهم من الواحد أقرب من الوهم من الجماعة، فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم فهو المعتمد". (٢)
ومما حصل فيه التعارض أيضًا في سيرة الخلفاء الراشدين المهديين بيعة عليٍّ أبا بكر ﵄، ففيه روايات أنه من أول من بايع كما بايع غيره من الصحابة في السقيفة، وفيه أنه بايع مرتين، وفيه أنه لم يبايع إلا متأخرًا. فلا يجوز للمؤرخ أن يقف على رواية دون أخرى، وإنما الواجب ضم الروايات بعضها إلى بعض والترجيح بينها. من هنا يظهر لنا القصور الكبير الذي وقع لكثير من المصنفين في السيرة النبوية وتاريخ الإسلام في العصر
_________________
(١) كتاب النكاح، باب نكاح المحرم. (فتح الباري ٩/١٦٥)
(٢) "فتح الباري" ٩/١٦٥-١٦٦.
[ ٣٣ ]
الحديث، عندما يظفرون برواية فيوردونها مقتصرين عليها، والحال أن ما يعارضها أكثر عددًا وأقوى درجة. من ذلك مثلا أن هناك رواية نقلها غير واحد من المؤرخين، واعتمدها كثير من الباحثين المعاصرين دون شك أو تردد، وهي أن عثمان بن عفان في خلافته نفى أبا ذر إلى الربذة لمعارضته توسع الصحابة، وبخاصة الولاة، في الأموال واقتناء متاع الدنيا. وقد بنى غير واحد من الباحثين المحدَثين من المستشرقين وغيرهم على هذه الرواية أحكامًا خطيرة منها أن عثمان قد اشتط في السلطة وقرب عشيرته وأجزل لهم العطاء، وغض الطرف عن ظلمهم واغتنائهم بسبب الولاية والسلطة، وأنه لحماية هذا الوضع كان لا يتردد في إنزال العقاب بمن يخالفه، فكان يضرب خيار الصحابة وينفيهم. انظر من ذلك قول أحدهم وهو يتحدث عن مالية الدولة في عهد عثمان: "فقد رأى فيها عثمان ﵁ والولاة من أقاربه وفي مقدمتهم معاوية ﵁ أن المال مال الله الموكول إليهم للتصرف فيه، كيفما شاؤوا، بينما رآه آخرون، وعلى رأسهم الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري ﵁ مال المسلمين، وللمسلمين الحق في مراجعة الخليفة بشأنه ومحاسبته عليه".
ويقول أيضًا: "هذا الفهم العثماني لطبيعة السلطة هو الذي دفع عثمان ﵁ إلى التخشن في معاملة كثيرين من خيار الصحابة مثل عبد الله ابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي ذر ﵃، فضرب بعضهم ونف
_________________
(١) ى بعضهم الآخر." (١) وإن المنهج التاريخي في التعامل مع الروايات
(٢) انظر " نحو رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي" لعبد العظيم الديب، ص: ١٧٤، ١٧٩.
[ ٣٤ ]
لايجيز تفسير الرواية وقبولها وبناء الأحكام عليها، إلا بعد إثبات سلامتها من المعارضة، أو بيان أن الروايات المعارضة مرجوحة لا تقوم أمامها، وفي هذه الحالة يجب الإشارة إلى الروايات المرجوحة. ولا تجد أثرا لذلك عند هؤلاء الباحثين، وإنما يذكرون هذه الرواية الوحيدة، ويوردونها وكأنها من البدهيات المسلمة التي لا معارض لها بوجه من الوجوه، ولو معارضة ضعيفة. وهذه – كما لا يخفى، ومن دون أدنى شك - مخالفة صريحة وخيانة واضحة لمنهج النقد التاريخي، القائم، من بين ما يقوم عليه على اعتبار الروايات المتعارضة ومقابلة بعضها ببعض.
وإعمال هذه القاعدة في هذا الخبر يوجب البحث في المصادر التاريخية والتفتيش في سائر مظان الرواية التاريخية، لعل هناك ما يعارضها. وإن هذه الرواية إذا كانت تذكر أن عثمان بن عفان نفى أبا ذر وأخرجه من المدينة إلى الربذة، فإن هناك روايات أخرى تنفي ذلك وتثبت خلافه، منها ما أخرجه البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر ﵁، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ﴾، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. قلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إليَّ عثمان أن اقدم المدينة، فقدمتها فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحيت وكنت قريبًا. فذلك
[ ٣٥ ]
الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي حبشيًا لسمعت وأطعت (١) . ورواية أخرى أوردها الحافظ ابن حجر وعزاها إلى أبي الحسن بن جدلم في فوائده عن عبد الله بن الصامت قال: "دخلت مع أبي ذر على عثمان فحسر عن رأسه فقال: والله ما أنا منهم، يعني الخوارج. فقال: إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة، فقال: لا حاجة لي في ذلك، ائذن لي بالربذة. قال نعم." (٢) ورواية أخرى أوردها الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على كتاب "العواصم من القواصم" لابن العربي، وعزاها إلى القاضي أبي الوليد بن خلدون وهي أن أبا ذر استأذن عثمان في الخروج من المدينة وقال: "إن رسول الله ﷺ أمرني أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعًا، فأذن له ونزل الربذة وبنى بها مسجدًا، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه رزقًا، وكان يتعاهد المدينة". (٣) وإن أيَّ مؤرخ محقق يريد أن يسجل في تاريخه خروج أبي ذر إلى الربذة وسببه، يفترض فيه أن يضع هذه الروايات جميعًا بين يديه، فينظر فيها على الاجتماع ثم يرجح ما تؤيده الشواهد بحسب الاعتبارات الأخرى. ومن اكتفى برواية دون غيرها، وأغفل الروايات المعارضة، فمثله مثل القاضي الذي استمع إلى شهادة شاهد واحد، وتجاهل أمثاله من الشهود الذين يخالفونه في شهادته.
ويجب التنبيه هنا على أن المعارضة قد تكون صريحة، كما في هذه الروايات في خروج أبي ذر إلى الربذة، وقد تكون غير صريحة، كأن يكون
_________________
(١) البخاري: كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز.
(٢) "فتح الباري" ٣/٢٧٤.
(٣) " العواصم من القواصم" ص: ٨٨، تعليق رقم ٩٢، وانظر " حلية الأولياء" ١ / ١٦٠.
[ ٣٦ ]
الخبر يتعلق بحادثة أخرى غير الحادثة التي يتعلق بها الخبر المنظور فيه أولا، لكنه بالتأمل والتدبر تظهر معارضته له في جهة من جهاته. مثال ذلك أن رواية فيها أن علي بن أبي طالب وبني هاشم رفضوا بيعة أبي بكر. فقد وردت روايات تعارضها معارضة صريحة. وهناك أخبار تعارضها، لكنها ليست صريحة في ذلك لأنها ليست في موضوع البيعة، وإنما في موضوع آخر بعيد عن ذلك، وهي سائر أخبار علي بن أبي طالب وأحواله وأعماله ومواقفه في سائر الأحداث التي شهدها زمن أبي بكر.
ومن هذه الأخبار:
- أن عليًا لم ينقطع عن صلاة من الصلوات خلف أبي بكر الصديق.
- أن عليًا خرج مع أبي بكر إلى ذي القصة لما خرج إليها لقتال المرتدين.
- لم يتخلف علي بن أبي طالب عن مشهد من المشاهد التي شهدها عامة الصحابة مع أبي بكر في خلافته.
فهذه الأخبار - وإن لم تكن في بيعة علي أبا بكر أو عدم بيعته- فإنها تتصل بذلك؛ لأن ما تفيده يعارض أن يكون علي قد رفض بيعة أبي بكر، فلو رفضها فكيف يشهد الصلوات خلفه، وكيف يخرج معه إلى الجهاد؟، وكيف يحضر المجالس التي يجلس فيها أبو بكر خليفة يبتُّ في أمور الدولة؟.
فهذه الأخبار ليست صريحة في المعارضة، لكن مضمونها لا ينسجم مع هذه الرواية. والاعتبار بالمعارض غير الصريح يلتقي مع الاعتبار بالظروف
[ ٣٧ ]
العامة للخبر وبكل ما له صلة به، لأن هذه الأخبار المعارضة إنما تعرف من خلال استحضار ظروف الخبر وما يتصل به.
فلابد للناقد إذن من الالتفات إلى كل ما يعارض الخبر المنظور فيه معارضة صريحة أو ضمنية، وعلى هذا المنهج سار النقاد من علماء الإسلام كما يظهر من الأمثلة المتقدمة.
[ ٣٨ ]