لقد تقرر عند المحدِّثين أن من علامات الحديث الموضوع فساد معناه ومخالفته الصريحة لمقتضيات العقول السليمة، ومناقضته لقواعد العادة التي فطر الله عليها البشر. يقول ابن الجوزي:" ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع" (١) وورد أيضا قولهم" من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفا للعقلويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة أو يكون خبرا عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع ثم لا ينقله منهم إلا واحد". (٢) وقد اعتمد النقاد من علماء الإسلام هذا المنهج في تحقيق أخبار السيرة النبوية. لكن يجب التنبيه في هذا المقام على مسألة مهمة تتصل بهذا الموضوع وهي أن هناك أخبارا في السيرة النبوية في بيان معجزات الرسول ﷺ، فالنظر فيها بهذا المنظار إبطال لما ثبت قطعا من النبوة والرسالة، وإنما يشترط في ذلك أن يكون النقل نقل الثقة في دينه، العاقل الضابط لما يحدث به، وألا
_________________
(١) "تدريب الراوي في شرح تقريب النووي" للسيوطي ١ / ٢٧٧.
(٢) المصدر نفسه ١ / ٢٧٦.
[ ٣٨ ]
يوجدَ من أمثاله المعاصرين له، مَنْ ينكر ذلك، أما من سوى النبي ﷺ فلا يقبل ذلك عنه كائنًا من كان حتى يتفق مع قوانين الكون والحياة وقواعد العادة. (١) ومعنى ذلك أن رد ما يخالف قواعد العادة من أخبار السيرة النبوية ليس على إطلاقه، وإنما هو خاص بالأخبار التي ليست في سياق دلائل النبوة. فإذا ورد خبر فيه أن رسول الله ﷺ قد خصه الله بما لا يخص به غيره من التصرفات التي هي على خلاف العادة، وثبت ذلك بالسند الصحيح عن الثقات الأثبات، فإنه يقبل دون تردد، لأن الله تعالى خص نبيه ﷺ بالوحي، فكيف لا يخصه بما دون ذلك من خوارق العادات؟ أما ما سوى ذلك فقد عمل فيه النقاد بهذا المنهج. والشواهد على ذلك كثيرة منها ما تقدم في خبر بحيرى الراهب، فقد حكم قواعد العادة وسنن الحياة وقوانين الاجتماع الإنساني، يظهر ذلك من بيانه عدم اشتهار هذا الخبر مع أن دواعي العادة توجب اشتهار مثله لأنه خطير في أمره عظيم فيما يدل عليه، بل كيف يغيب هذا حتى على صاحب الخبر نفسه ﷺ، فلا يذكره، ولو في حال حاجته إليه؟ ويتجلى ذلك أيضا في إنكار الذهبي أن يميل فيء الشجرة مع وجود ظل الغمامة؛ فقواعد العادة وسنن الحياة لا تؤيد ذلك.
_________________
(١) انظر "المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل" ص ١٣٣، هامش ١٤٢.
[ ٣٩ ]