فقد اشترط المحدثون لصحة السند عدالة رواته وضبطهم مع الاتصال وانتفاء الشذوذ والعلة القادحة. أما العدالة والضبط فإنما تعرفان بتتبع أحوال الرجل وأخباره من جهة التزامه أحكام الشريعة ومن جهة عنايته بالعلم وحفظه وصيانته. فإن الغرض في الرواية أن يبتعد الرجل عن الكذب والغلط، والكذب إنما يبعد عنه الدين والورع، وقلة الغلط تعرف بمقارنة الرجل في علمه وروايته بغيره ممن شاركه الرواية. ومن هنا يتبين لنا خطورة هذا المسلك والجهد الكبير الذي بذله المحدثون لتحقيق الحديث، فإن معرفة التزام الرجل الشريعة من عدمه، وضبطه من عدمه يحتاج إلى تتبع لحياة الرجل وأعماله وتصرفاته طول عمره، فإن أفعال الرجل وأعماله ممتدة في الزمان على مدى عشرات السنين، وممتدة في المكان أيضا، مع ما هو معروف من طبيعة
[ ١٢ ]
الإنسان، فإنه تارة يقبل على الطاعة وتارة يفتر عنها، وتارة يقع في المعصية، وتارة يقلع عنها، وتارة متيقظ متقن، وتارة غافل، وفي فترة من عمره جيد الحفظ صافي الذهن، وفي فترة أخرى تغلب عليه أسباب الشرود والاضطراب بسبب الهمِّ والغمِّ والهرم، فهذا كله حاضر في أذهان المحدِّثين وهم يفحصون الأحاديث. فقولهم بصحة السند إنما كان بعد استحضار جميع ما تقدم وتتبع كل ما سبق من حالات الرجل وحياته عبر سنوات عمره، وعبر المكان الذي أقام فيه وارتحل في أرجائه. وقولهم بأن الرجل ضابط حافظ، إنما هو بعد استحضار أحوال غيره من أقرانه ومقارنة روايته بروايتهم. وتجد المحدِّثين أحيانا يحكمون على الرجل بأنه ثقة تغير بآخرة، وإنما قالوا ذلك؛ لأنهم استحضروا حياته كلها حتى أواخر عمره وتغير حاله بسبب الهرم، أو بسبب عارض آخر يختلف باختلاف الأشخاص والرجال. وأما اتصال السند فإنما يعرف باستحضار تواريخ المواليد والوفيات وطبقات الرواة والبلدان التي دخلوها وتواريخ ذلك أيضا. وكذلك العلل والشذوذ إنما يعرف بمقارنة رواية الرجل بغيره واعتبار روايته برواية غيره.
[ ١٣ ]