وأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية شوال، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة فى صفر، فى آخر تمام السنة الثالثة من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد.
وكان سبب ذلك أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، وهو ملاعب الأسنة، وفد على رسول الله ﷺ فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، لرجوت أن يستجيبوا لك. فقال ﷺ: إنى أخشى عليهم أهل نجد.
فقال أبو براء: أنا جارهم.
[ ١٤٢ ]
فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو، أحد بنى ساعدة، وهو الذي يلقب: المعنق ليموت، فى أربعين رجلا من المسلمين، وقد قيل فى سبعين من خيار المسلمين، منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان - أخو أم سليم، وهو خال أنس بن مالك - وعروة بن أسماء بن الصلت السلمى ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعى، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر الصديق وغيرهم؛ فنهضوا فنزلوا بئر معونة، وهى بين أرض بنى عامر وحرة بنى سليم، ثم بعثوا منها حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله ورسوله ﷺ، عامر بن الطفيل. فلما أتاه لم ينظر فى كتابه، ثم عدا عليه فقتله، ثم استنهض إلى قتال الباقين بنى عامر، فأبوا أن يجيبوه، لأن أبا براء أجارهم، فاستغاث عليهم بنى سليم، فنهضت معه عصية ورعل وذكوان، وهم قبائل من بنى سليم، فأحاطوا بهم، فقاتلوا، فقتلوا كلهم رضوان الله عليهم، إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار، فإنه ترك فى القتلى وفيه رمق، فارتث (^١) من القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق رضوان الله عليه.
وكان عمرو بن أمية فى سرح المسلمين، ومعه المنذر بن محمد بن عقبة ابن أحيحة بن الجلاح، فنظر إلى الطير تحوم على العسكر، فنهضا إلى ناحية أصحابها، فإذا الطير تحوم على القتلى، والخيل التي أصابتهم لم تزل بعد؛ فقال المنذر بن محمد لعمرو بن أمية: فما ترى؟ فقال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: ما كنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو. فقاتل حتى قتل، وأخذ عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر، جز ناصيته عامر بن الطفيل، وأطلقه عن رقبة كانت على أمه. وذلك لعشرين بقين من صفر مع الرجيع فى شهر واحد.
_________________
(١) ارتث: رفع وبه جراح وتقول: ارتث الرجل إذا رفع من المعركة وفيه بقية حياة.
[ ١٤٣ ]
فرجع عمرو بن أمية، حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بنى كلاب، وقيل من بنى سليم، حتى نزل مع عمرو بن أمية فى ظل كان فيه، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يعلم به عمرو، فسألهما: من أنتما؟ فانتسبا له، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب ثأرا من قتله أصحابه.
فلما قدم على رسول الله ﷺ أخبره بذلك، فقال له رسول الله ﷺ لقد قتلت قتيلين لأدينهما. وهذا سبب غزوة بنى النضير.