فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد قدومه من بحران، جمادى الآخرة، ورجبا، وشعبان، ورمضان، فغزته كفار قريش فى شوال سنة ثلاث، وقد استمدوا بحلفائهم والأحابيش من بنى كنانة وغيرهم، وخرجوا بنسائهم لئلا يفروا، فأتوا فنزلوا بموضع يقال له: عينين، وهو بقرب أحد على جبل ببطن السبخة من قناة، على شفير الوادى، مقابل المدينة.
فرأى رسول الله ﷺ رؤيا: أن فى سيفه ثلمة، وأن بقرا تذبح، وأنه أدخل يده فى درع حصينة؛ فتأولها: أن نفرا من أصحابه يقتلون، وأن رجلا من أهل بيته يصاب، وأول الدرع المدينة.
فأشار رسول الله ﷺ ألا يخرجوا إليهم، وأن يتحصنوا بالمدينة، فإن قدموا منها قاتلهم على أفواه الأزقة، ووافق رسول الله ﷺ على هذا الرأى عبد الله بن أبى بن سلول، وألح قوم من فضلاء المسلمين، ممن أكرمه الله تعالى بالشهادة فى ذلك اليوم - على رسول الله ﷺ فى الخروج إلى قتالهم، حتى دخل النبيّ ﷺ فلبس لأمته (^١) وخرج، وذلك يوم الجمعة فصلى على رجل من بنى النجار مات، يقال له: مالك بن عمرو، وقيل:
_________________
(١) اللأمة: الدرع وقد يسمى السلاح كله لأمة.
[ ١٢٣ ]
بل اسمه محرز بن عامر؛ فندم الذين ألحوا عليه، وقالوا: يا رسول الله إن شئت فاقعد. فقال رسول الله ﷺ: ما ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل.
فخرج رسول الله ﷺ فى ألف من أصحابه، واستعمل على المدينة بن أم مكتوم للصلاة بمن بقى بالمدينة من المسلمين.
فلما صار رسول الله ﷺ بالشوط بين المدينة وأحد، انصرف عبد الله ابن أبى بن سلول بثلث الناس مغاضبا إذ خولف رأيه، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر، يذكرهم الله ﷿ والرجوع إلى رسول الله ﷺ، فأبوا عليه، ورجع عنهم إلى رسول الله ﷺ.
وقد ذكر له قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود فأبى من ذلك من أن يستعين بمشرك.
فسلك ﵇ مع المسلمين حرة بنى حارثة، وقال: من يخرج بنا على القوم من كثب؟ فقال أبو خيثمة، أحد بنى حارثة: أنا يا رسول الله.
فسلك به بين أموال بنى حارثة، حتى سلك فى مال لمربع بن قيظى، وكان منافقا ضرير البصر، فقام الفاسق يحثو التراب فى وجوه المسلمين، ويقول:
إن كنت رسول الله فإنى لا أحل لك أن تدخل حائطى، وزاد فى القول، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال: لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر. وضربه سعد بن زيد أخو بنى عبد الأشهل بقوسه، فشجه فى رأسه.
ونفذ رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد، فى عدوة الوادى إلى الجبل، فجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم، وقد سرحت قريش الظهر والكراع (^١) فى زروع بالصمغة من قناة للمسلمين؛
_________________
(١) الظهر المقصود به هنا الإبل. أما الكراع فهو الخيل التي يحارب عليها.
[ ١٢٤ ]
وتعبأ رسول الله ﷺ فى القتال، وهو فى سبعمائة؛ وقيل: إن المشركين كانوا فى ثلاثة آلاف، فيهم مائتا فرس، وقيل: كان فى المشركين يومئذ خمسون فارسا. وكان رماة المسلمين خمسين رجلا، فأمر رسول الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بنى عمرو بن عوف من الأوس، وهو أخو خوات بن جبير، وعبد الله يومئذ معلم بثياب بيض.
فرتبهم رسول الله ﷺ، خلف الجيوش، فأمره أن ينضح المشركين بالنبل، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين (^١) ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، أخى بنى عبد الدار.
وأجاز ﵇ يومئذ سمرة بن جندب الفزارى، ورافع بن خديج من بنى حارثة، ولهما خمسة عشر عاما؛ كان رافع راميا. ورد أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعمرو بن حزم، وهما من بنى مالك بن النجار، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وهما من بنى حارثة، وعرابة بن أوس، وزيد بن أرقم، وأبا سعيد الخدرى؛ ثم أجازهم عام الخندق، بعد ذلك بسنة. وكان لعبد الله بن عمر يوم أحد أربعة عشر عاما، وكان سائر من رد معه فى هذه السن أيضا.
فجعلت قريش على ميمنتهم فى الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم فى الخيل عكرمة بن أبى جهل.
ودفع رسول الله ﷺ سيفه بحقه (^٢) إلى أبى دجانة سماك بن خرشة أخى بنى ساعدة، وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب.
_________________
(١) ظاهر بين درعين: أى لبس واحدة فوق الأخرى.
(٢) حق سيف رسول الله أن يضرب بهذا السيف فى أعداء الله ورسوله حتى ينحنى السيف من شدة الضرب به فى رقاب الأعداء.
[ ١٢٥ ]
وكان أبو عامر عبد عمرو بن صيفى بن مالك بن النعمان أحد بنى ضبيعة، وهو والد حنظلة غسيل الملائكة، وكان أبوه - كما ذكرنا - فى الجاهلية قد ترهب وتنسك، فلما جاء الإسلام غلب عليه الشقاء، ففر مباعدا لرسول الله ﷺ، فى جماعة من فتيان الأوس، فلحق بمكة، وشهد يوم أحد مع المشركين، وكان سيدا فى الأوس، فوعد قريشا بانحراف قومه إليه، وكان هو أول من لقى المسلمين يوم أحد فى عبدان أهل مكة والأحابيش؛ فلما نادى قومه وعرفهم بنفسه، قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق. قال: لقد أصاب قومى بعدى شر. ثم قاتل المسلمين قتالا شديدا.
وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد: أمت أمت. وأبلى يومئذ أبو دجانة، وطلحة، وحمزة، وعلى، وأبلى أنس بن النضر بلاء شديدا عجز عن مثله كثير ممن سواه؛ وكذلك جماعة من الأنصار، أصيبوا يومئذ مقبلين غير مدبرين. وقاتل الناس، فاستمرت الهزيمة على قريش.
فلما رأى ذلك الرماة قالوا: قد هزم الله أعداء الله. قالوا: فما لقعودنا هاهنا معنى، فذكر لهم أميرهم عبد الله بن جبير أمر رسول الله ﷺ لهم بأن لا يزولوا، فقالوا: قد انهزموا؛ ولم يلتفتوا إلى قوله، فقاموا، ثم كر المشركون، فأكرم الله تعالى من أكرم من المسلمين بالشهادة، ووصلوا إلى رسول الله ﷺ، فقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتى قتل رضوان الله عليه؛ وجرح رسول الله ﷺ فى وجهه المكرم، وكسرت رباعيته (^١) اليمنى والسفلى بحجر، وهشمت البيضة (^٢) فى رأسه المقدس، فأعطى رسول الله ﷺ الراية لعلى بن أبى طالب بعد مقتل مصعب،
_________________
(١) الرباعية: إحدى الأسنان الأربعة التي تلى الثنايا، بين الثنية والناب.
(٢) البيضة: الخوذة التي يضعها الفارس على رأسه.
[ ١٢٦ ]
وصار رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار. وكان الذي نال مما ذكرنا من نحو النبيّ ﷺ عمرو بن قميئة الليثى، وعتبة بن أبى وقاص.
وشد حنظلة الغسيل بن أبى عامر على أبى سفيان، فلما تمكن منه، حمل شداد بن الأسود الليثى، وهو ابن شعوب، على حنظلة فقتله؛ وكان حنظلة قتل جنبا كما قام من امرأته، فغسلته الملائكة، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ.
وكان قد قتل أصحاب اللواء من المشركين حتى سقط، فرفعته عمرة بنت علقمة الحارثية للمشركين، فاجتمعوا إليه.
وقد قيل: إن عبد الله بن شهاب الزهرى، عم الفقيه محمد بن مسلم بن شهاب الزهرى، هو الذي شج رسول الله ﷺ فى جبهته (^١)، وألبت الحجارة على رسول الله ﷺ، حتى سقط فى حفرة، قد كان حفرها أبو عامر الأوسى مكيدة للمسلمين. فخر النبيّ ﷺ على جنبه، فأخذه على بيده، واحتضنه طلحة، حتى قام رسول الله ﷺ. ومص مالك بن سنان - والد أبى سعيد الخدرى - الدم من جرح رسول الله ﷺ؛ ونشب حلقتان من حلق المغفر (^٢) فى وجه رسول الله ﷺ، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح بثنيتيه، وعض عليهما حتى ندرت ثنيتا أبى عبيدة، وكان الهتم يزينه.
ولحق المشركون رسول الله ﷺ، فكر دونه نفر من المسلمين رضوان الله عليهم، كانوا سبعة، وقيل أكثر، حتى قتلوا كلهم، وكان آخرهم عمارة بن يزيد بن السكن.
_________________
(١) كان الدم يسيل من وجه رسول الله ﷺ فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم».
(٢) المغفر: شبيه بالدرع له حلق يجعل على رأس الفارس يتقى ضربات فى الحرب.
[ ١٢٧ ]
ثم قاتل طلحة (^١) بعد ذلك كقتال الجماعة، حتى أجهض المشركين عن رسول الله ﷺ.
وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية قتالا شديدا، وضربت عمرو بن قميئة بالسيف ضربات، فوقعت درعان كانتا عليه، وضربها عمرو بالسيف فجرحها جرحا عظيما على عاتقها. وترس أبو دجانة عن رسول الله ﷺ بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرك، وحينئذ قال رسول الله ﷺ لسعد بن أبى وقاص: ارم فداك أبى وأمى.
فأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان الظفرى، فأتى رسول الله ﷺ وعينه على وجنته، فردها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أصح عينيه وأحسنهما.
وانتهى أنس بن النضر - عم أنس بن مالك - إلى جماعة من الصحابة، قد ألقوا بأيديهم، فقال لهم: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله ﷺ.
فقال لهم: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ. ثم استقبل الناس، ولقى سعد بن معاذ، فقال: يا سعد، إنى والله لأجد ريح الجنة من قبل أحد. فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه، وجد به سبعون ضربة.
وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحو عشرين جراحة، بعضها فى رجله، فعرج منها.
وأول من ميز رسول الله ﷺ يومئذ بعد الحملة كعب بن مالك الشاعر من بنى سلمة، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا
_________________
(١) وقال عنه النبيّ الكريم: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على الأرض فلينظر إلى طلحة» تكريما له.
[ ١٢٨ ]
رسول الله ﷺ. فأشار رسول الله ﷺ أن اصمت. فلما عرفه المسلمون لاثوا به (^١)، ونهضوا معه نحو الشعب، فيهم: أبو بكر، وعمر، وعلى، وطلحة، والزبير، والحارث بن الصمة الأنصاري، وغيرهم.
فلما أسند رسول الله ﷺ فى الشعب، أدركه أبى بن خلف الجمحى، فتناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، ثم طعنه بها فى عنقه، فكر أبى منهزما، فقال له المشركون: والله ما بك من بأس. فقال: والله لو بصق على لقتلنى. وكان قد أوعد رسول الله ﷺ القتل بمكة، فقال له رسول الله ﷺ: أنا أقتلك. فمات عدو الله بسرف، مرجعه إلى مكة.
وملأ على درقته من المهراس (^٢) فأتى به النبيّ ﷺ، فوجد له رائجة، فعافه، وغسل به وجهه، ونهض إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان قد بدن (^٣)، وظاهر بين درعين، فجلس طلحة بن عبيد الله، وصعد رسول الله ﷺ على ظهره، ثم استقل به طلحة حتى استوى رسول الله ﷺ على وحانت الصلاة، فصلى ﷺ قاعدا والمسلمون وراءه قعودا.
وانهزم قوم من المسلمين، فبلغ بعضهم إلى الجلعب دون الأعوص.
منهم: عثمان بن عفان، وعثمان بن عبيد الأنصاري، غفر الله ﷿ ذلك لهم، ونزل القرآن بالعفو عنهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا، وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ (^٤) إلى آخر الآية.
_________________
(١) لاثوا به: لا ذوا به، وانضموا إليه وذهبوا معه إلى الشعب وهم خلق كثير من الصحابة.
(٢) المهراس: ماء بأحد وقيل: صخرة منقورة تسع كثيرا من الماء.
(٣) بدن: أسن وضعف وقيل: عظم بدنه وكثر لحمه.
(٤) سورة آل عمران الآية ١٥٥.
[ ١٢٩ ]
وكان الحسيل بن جابر، وهو اليمان والد حذيفة، وثابت بن وقش، شيخين كبيرين فاضلين، قد جعلا فى الآطام مع النساء والصبيان والهرمى؛ فقال أحدهما لصاحبه: ما بقى من أعمارنا إلا ظمء حمار (^١)، فلو أخذنا سيوفنا فلحقنا برسول الله ﷺ، لعل الله تعالى يرزقنا الشهادة. ففعلا ذلك، ودخلا فى المسلمين؛ فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما الحسيل فظنه المسلمون من المشركين فقتلوه خطأ، وقيل: إن متولى قتله كان عتبة بن مسعود، أخا عبد الله بن مسعود، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين.
وكان مخيريق أحد بنى ثعلبة بن الفطيو؟؟؟ من اليهود، فدعا اليهود مخيريق إلى نصر رسول الله ﷺ، وقال لهم: والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم حق واجب. فقالوا له: إن اليوم السبت. فقال: لا سبت لكم.
فأخذ سلاحه، ولحق رسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل، وأوصى أن يكون ما له لرسول الله ﷺ يصنع فيه ما يشاء، فيقال: إن بعض صدقات رسول الله ﷺ بالمدينة من مال مخيريق.
وكان الحارث بن سويد بن الصامت منافقا، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى المسلمون عدا على المجذر بن ذياد البلوى، وعلى قيس بن زيد أحد بنى ضبيعة، فقتلهما، وفر إلى الكفار، وكان المجذر فى الجاهلية قتل سويدا - والد الحارث المذكور. - فى بعض حروب الأوس والخزرج.
ولحق الحارث بن سويد بمكة، فأقام هنالك، ثم إنه حينه الله (^٢) ﵎ فانصرف إلى قومه، فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء، فنهض ﵇ إلى قباء فى وقت لم يكن يأتيهم فيه، فخرج إليه الأنصار أهل قباء،
_________________
(١) الظم: مقدار ما يكون بين الشربتين وأقصر الأظماء ظمء الحمار وهذا المثل يضرب القرب الأجل.
(٢) حينه الله: أى كتب عليه الهلاك.
[ ١٣٠ ]
فى جملتهم الحارث بن سويد عليه ثوب مورس (^١) فأمر رسول الله ﷺ عويم بن ساعدة بأن يضرب عنق الحارث بن سويد. فقال الحارث: فيم يا رسول الله؟ فقال: فى قتلك المجذر بن ذياد يوم أحد غيلة. فما راجعه الحارث بكلمة، وضرب عويم عنقه، فانصرف رسول الله ﷺ ولم يجلس.
وقد روى أنه قال: يا رسول الله، والله ما قتلته شكا فى دينى، ولكنى لما رأيته لم أملك نفسى، إذ ذكرت أنه قاتل أبى. ثم مد عنقه وقتل.
وكان عمرو بن ثابت بن وقش، من بنى عبد الأشهل، يعرف بالأصيرم - يأبى الإسلام. فلما كان يوم أحد، قذف الله تعالى فى قلبه الإسلام للذى أراد به من السعادة، فأسلم، وأخذ سيفه ولحق بالنبى ﷺ. فقاتل، فأثبت بالجراح، ولم يعلم أحد بأمره؛ فلما انجلت الحرب طاف بنو عبد الأشهل فى القتلى يلتمسون قتلاهم، فوجدوه وبه رمق يسير، فقال بعضهم لبعض:
والله إن هذا الأصيرم. فأجابه: لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر. ثم سألوه:
يا عمرو، ما الذي أتى بك؟ أحدب على قومك أم رغبة فى الإسلام؟ فقال:
بل رغبة فى الإسلام، آمنت بالله ورسوله، ثم قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى أصابنى ما ترون. فمات من وقته؛ فذكروه لرسول الله ﷺ، فقال:
هو من أهل الجنة. قيل: وكان أبو هريرة إذا بلغه أمره يقول: ولم يصل لله قط.
وكان فى بنى ظفر رجل أتى (^٢) لا يدرى ممن هو، يقال له قزمان، فأبلى يوم أحد بلاء شديدا، وقتل سبعة من وجوه المشركين، وأثبت جراحا، فأخبر رسول الله ﷺ بأمره، فقال: هو من أهل النار. فقيل لقزمان:
_________________
(١) المورس: الثوب المصبوغ بالورس وهو نبت أصفر يميل إلى الاحمرار.
(٢) الأتى: الغريب وأصل الأتى: السيل الذي يأتى من بلد إلى بلد.
[ ١٣١ ]
أبشر بالجنة. فقال: بماذا أبشر؟ والله ما قاتلت إلا عن أحساب قومى. ثم لما اشتد عليه الألم أخرج مهما من كنانته، فقطع به بعض عروقه، فجرى دمه حتى مات.
ومثل بقتلى المسلمين.
وأخذ الناس ينقلون قتلاهم بعد انصراف قريش، فأمر رسول الله ﷺ بأن يدفنوا فى مضاجعهم، وأن لا يغسلوا، ويدفنوا بدمائهم وثيابهم.