قال أبو محمد على بن أحمد رحمه الله تعالى: لم يشهد عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة الثقفيان يوم حنين، ولا حصار الطائف، كانا بجرش، يتعلمان صنعة المجانيق والدبابات.
فسلك رسول الله ﷺ فى طريقه من الجعرانة إلى الطائف على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرغاء من لية، فابتنى بها ﷺ مسجدا، فصلى فيه.
[ ١٩٢ ]
وذكر أن رجلا من بنى هذيل ببحرة الرغاء حين نزلها طالب بدم، فأقاده ﷺ.
وكان بالمكان المذكور حصن لمالك بن عوف النصرى، فأمر النبيّ ﷺ بهدمه، فهدم.
ثم سلك الطريق من بحرة الرغاء، فسأل عن اسمها، فقيل له: الضيقة، فقال: بل هى اليسرى، ثم نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة، بقرب مال رجل من ثقيف، فتمنع الرجل منه فى أطمه، فأمر النبيّ ﷺ بهدم ماله، فهدم وأخرب
ثم نزل بقرب الطائف، فتحصنت منه ثقيف، وحاربهم المسلمون، فأصيب من المسلمين رجال بالنبل، فزال عن ذلك المنزل إلى موضع المسجد المشهور اليوم، وكان واديا يقال له: العقيق، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، ويقال: بل بضع عشرة ليلة، وهو الصحيح بلا شك. وكان معه امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة.
فموضع المسجد اليوم بين منزلهما، فى موضع مصلاه ﷺ. وتولى بنيان ذلك المسجد عمرو بن أمية بن وهب بن مالك الثقفى.
ورماهم ﷺ بالمنجنيق، ثم دخل نفر من المسلمين تحت دبابة ودنوا من سور الطائف، فصب عليهم أهل الطائف سكك الحديد المحماة، ورموا بالنبل، فأصابوا منهم قوما.
وأمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب أهل الطائف، واسترحمه بن مسعود فى ماله، وكان بعيدا عن الطائف، فكف عن قطعه.
ثم إن رسول الله ﷺ رحل عن الطائف، وحينئذ نزل أبو بكرة إلى رسول الله ﷺ وهو مسلم، وعبيد من أهل الطائف؛ قيل: إن الأزرق، والد نافع بن الأزرق صاحب الأزارقة، منهم.
[ ١٩٣ ]
واستشهد على الطائف:
سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية.
وعرفطة بن جناب، حليف لبنى أمية من الأزد.
وعبد الله بن أبى بكر الصديق، أصابه سهم، فاستمر منه مريضا حتى مات منه بعد رسول الله ﷺ فى خلافة أبيه.
وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة المخزومى، أخو أم سلمة، أم المؤمنين.
وعبد الله بن عامر بن ربيعة العنزى، حليف بنى عدى بن كعب.
والسائب بن الحارث بن قيس بن عدى.
وأخوه: عبد الله بن الحارث، السهميان.
وجليحة بن عبد الله، من بنى سعد بن ليث:
وثابت بن الجذع، من بنى سلمة من الأنصار.
والحارث بن سهل بن أبى صعصعة، من بنى مازن بن النجار.
والمنذر بن عبد الله، من بنى ساعدة.
ومن الأوس:
رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية.
وكان بجير بن زهير بن أبى سلمى، الشاعر ابن الشاعر، حسن الإسلام، ممن شهد حنينا والطائف.
ثم انصرف رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة، وأتاه هناك وفد هوازن مسلمين راغبين، فخيرهم رسول الله ﷺ بين عيالهم وأبنائهم وبين أموالهم، فاختاروا عيالهم وأبناءهم، فأمر رسول الله ﷺ أن يكلموا المسلمين
[ ١٩٤ ]
فى ذلك، ففعلوا، فقال ﷺ: ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم.
وقال المهاجرون والأنصار: أما ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ. وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن عن أن يردا عليهم ما وقع لهما من الفيء، وساعدهما قومهما. وامتنع العباس بن مرداس السلمى، فطمع أن يساعده قومه بنو سليم، فأبوا، وقالوا: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ.
فرد عليهم ﷺ نساءهم وأبناءهم، وعوض من لم تطب نفسه بترك نصيبه أعواضا رضوا بها.
وكان عدد سبى هوازن ستة آلاف إنسان، منهم الشيماء أخت النبيّ ﷺ من الرضاعة، وهى بنت الحارث بن عبد العزى، من بنى سعد بن بكر بن هوازن، فأكرمها رسول الله ﷺ، وأعطاها وأحسن إليها، ورجعت إلى بلادها مختارة لذلك.
وقسم رسول الله ﷺ الأموال بين المسلمين، ثم أعطى من نصيبه من الخمس المؤلفة قلوبهم؛ وهم: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، والحارث بن الحارث بن كلدة أخو بنى عبد الدار، وقد قال بعضهم: الحارث بن الحارث هذا من مهاجرة الحبشة، فإن صح ذلك فقد أعاذه الله تعالى من أن يكون من المؤلفة قلوبهم الذين أعطوا فى هذه السبيل، وهو أخو النضر بن الحارث الذي ضرب رسول الله ﷺ عنقه صبرا يوم بدر - والحارث بن هشام بن المغيرة المخزومى، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى بن أبى قيس، والعلاء بن جارية الثقفى، حليف بنى زهرة، وصفوان بن أمية الجمحى، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، والأقرع بن حابس التميمى؛ أعطى كل واحد من هؤلاء مائة بعير. وأعطى عباس بن مرداس السلمى أقل من ذلك، فقال شعرا يخاطب به رسول الله ﷺ، فأتم له المائة. ومالك بن
[ ١٩٥ ]
عوف النصرى، وقد كان فر عن الطائف ولحق بالنبى ﷺ. فهؤلاء أصحاب المئين.
وأعطى ﷺ يومئذ عدى بن قيس بن حذافة السهمى خمسين من الإبل؛ وسعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل؛ ولمخرمة بن نوفل الزهرى، وعمرو بن وهب الجمحى، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب أخى بنى عامر بن لؤيّ - بأقل من مائة لكل واحد منهم.
وممن أعطى رسول الله ﷺ عددا دون ذلك: طليق بن سفيان بن أمية ابن عبد شمس، وخالد بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس، وشيبة ابن عثمان بن أبى طلحة بن عبد العزى - وكان يذكر نفسه عن أنه أراد الفتك برسول الله ﷺ يوم حنين، فتغشاه أمر لا يقدر على وصفه، قال: فعلمت أنه ممنوع من عند الله -، وأبو السنابل بن بعكك بن حارثة بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وزهير بن أبى أمية بن المغيرة، أخو أم سلمة أم المؤمنين، وخالد بن هشام ابن المغيرة المخزومى، وهشام بن الوليد، أخو خالد بن الوليد، وسفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والسائب بن أبى السائب ابن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، أخو بنى عدى بن كعب، وأبو جهم بن حذيفة بن غانم العدوى، وأحيحة بن أمية الجمحى، ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدى بن الديل، من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة، وعلقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة، وخالد بن هوذة بن خالد - الملقب بالحلس - بن ربيعة بن عمرو، فارس الضحياء، بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأخوه: حرملة بن هوذة.
[ ١٩٦ ]
فكان لشباب الأنصار فى ذلك كلام لم يرض به أشياخهم ولا خيارهم، فذكرهم رسول الله ﷺ بنعمة الله تعالى عليهم بالإسلام، وبه ﵊، وأنه إنما أعطى قوما حديثى عهد بالإسلام وبمصيبة، يتألفهم على الإسلام، فرضوا، رضوان الله عليهم (^١).
وذكر لرسول الله ﷺ جعيل بن سراقة الضمرى، وأنه لم يعطه شيئا، فأخبر أنه خير من طلاع الأرض (^٢) مثل عيينة، تألف عيينة، ووكل جعيل بن سراقة إلى إسلامه.
وكان هذا القسم بالجعرانة؛ ثم اعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة إلى مكة، ثم رجع إلى المدينة فدخلها لست بقين لذى القعدة.
وكانت قصة الطائف فى ذى القعدة من السنة الثامنة من الهجرة.
وكانت مدة غيبة رسول الله ﷺ مذ خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها وأوقع بهوازن وحارب الطائف إلى أن رجع إلى المدينة -: شهرين وستة عشر يوما.
واستعمل ﷺ مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع النصرى، وهو الذي كان رئيس الكفار يوم حنين، على من أسلم من قومه، ومن سلمة، وفهم وثمالة. وأمره ﷺ بمغاورة ثقيف ففعل، وضيق عليهم، وحسن إسلامه وإسلام من معه وإسلام جميع المؤلفة قلوبهم، حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغموزا.
_________________
(١) وفيهم يقول ﷺ: «… لو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار».
(٢) طلاع الأرض: ملء الأرض وأكثر.
[ ١٩٧ ]
وكان المؤلفة قلوبهم - مع حسن إسلامهم - متفاضلين فى الإسلام، منهم الفاضل المجتهد: كالحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام؛ وفيهم خيار دون هؤلاء: كصفوان بن أمية، وعمرو بن وهب، ومطيع بن الأسود، ومعاوية بن أبى سفيان؛ وسائرهم لا نظن بهم إلا الخير.
وكان ممن أسلم، يوم الفتح وبعده، من الأشراف (^١) نظراء من ذكرنا، ووثق رسول الله ﷺ بصحة إيمانهم، وقوة نياتهم فى الإسلام لله تعالى، فلم يدخلهم مدخل من أعطاه -: عكرمة أبى جهل، وعتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية، وجبير بن مطعم.
واستعمل رسول الله ﷺ على مكة عتاب بن أسيد؛ وهو شاب، ابن نيف وعشرين سنة، وكان فى غاية الورع والزهد، فأقام الحج بالمسلمين تلك السنة. وهو أول أمير أقام الحج فى الإسلام، وحج المشركون على مشاعرهم.
وأتى كعب بن زهير بن أبى سلمى تائبا مادحا لرسول الله ﷺ، وكان قبل ذلك يهجو رسول الله ﷺ، فقبل ﷺ إسلامه ومدحه، وأثابه.