فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة مرجعه من الحديبية، ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج فى بقية من المحرم غازيا إلى خيبر وذلك قرب آخر السنة السادسة من الهجرة.
_________________
(١) فى الأصل: يبعث.
(٢) مسعر الحرب: موقدها.
(٣) الرفاق: جمع رفقة، وهم المسافرون، وأكثر ما تسمى «رفقة» إذا نهضوا فى طلب الميرة.
[ ١٦٧ ]
واستحلف رسول الله ﷺ نميلة بن عبد الله الليثى، ودفع الراية إلى على بن أبى طالب، وقيل: إنها كانت بيضاء. وسلك على عصر (^١)، فبنى له بها مسجد (^٢)، ثم على الصهباء، ثم نزل بواد يقال له: الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم - وكانت غطفان قد أرادت إمداد يهود خيبر - فلما خرجوا أسمعهم الله تعالى من ورائهم حسا راعهم، فانصرفوا، وبدا لهم فأقاموا فى أماكنهم. وجعل رسول الله ﷺ يفتتح الآطام والحصون والأموال مالا مالا. فأول حصونهم افتتح حصن اسمه: ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رحى فقتلته؛ ثم القموص، حصن بنى ابى الحقيق. وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا، منهن (^٣): صفية بنت حيى بن أخطب. وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وبنتى (^٤) عم لها، فوهب ﵇ صفية لدحية، ثم ابتاعها منه بتسعة أرؤس، وجعلها عند أم سليم. حتى اعتدت وأسلمت، ثم أعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، لا صداق لها غيره، فصارت سنة مستحبة لكل من أراد أن يفعل ذلك إلى يوم القيامة.
وفى غزوة خيبر حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية، وأخبر أنها رجس، وأمر بالقدور فألقيت وهى تفور بلحومها، وأمر بغسل القدور بعد، وأحل حينئذ لحوم الخيل وأطعمهم إياها.
_________________
(١) عصر: بالكسر ثم السكون، ويروى بفتحتين، والأول أشهر وأكثر، واختاره ياقوت: جبل بين المدينة ووادى الفرع.
(٢) فى الأصل: «بنى» مكان «فبنى».
(٣) فى الأصل: منهم.
(٤) فى الأصل: بنى؛ وقد وردت كلمة «بنتى» فى أكثر كتب السير منصوبة على تقدير فعل محذوف أى: وأصاب بنتى عم لها.
[ ١٦٨ ]
ثم فتح حصن الصعب بن معاذ، ولم يكن بخيبر حصن أكثر طعاما منه، ولا أوفر ودكا منه (^١). وآخر ما افتتح ﵇ من حصونهم:
الوطيح والسلالم، حاصرهما بضع عشرة ليلة. وكان شعار المسلمين يوم خيبر: أمت أمت.
ووقف إلى بعض حصونهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما، فلم يفتحاه فدفع رسول الله ﷺ الراية إلى على رضوان الله عليه، ففتحه، وكان أرمد، فتفل فى عينيه، فبرئ.
وكان فتح خيبر: الأرض كلها وبعض الحصون عنوة - وهى الأكثر - وبعضها صلحا على الجلاء، فقسمها رسول الله ﷺ بعد أن عزل الخمس، أقر اليهود على أن يعتملوها بأموالهم وأنفسهم، ولهم النصف من كل ما يخرج منها من زرع أو ثمر، ويقرهم على ذلك ما بدا له. فبقوا على ذلك حتى مات رسول الله ﷺ ومدة خلافة أبى بكر، وجمهور خلافة عمر؛ فلما كان فى آخر خلافته، بلغه أن رسول الله ﷺ أمر فى مرضه الذي مات فيه أن لا يبقى فى جزيرة العرب دينان. فأمر بإجلائهم عن خيبر وغيرها من بلاد العرب، وأخذ المسلمون ضياعهم من مقاسم خيبر، فتصرفوا فيها. وكان متولى قسمتها بين أصحابها جبار بن صخر من بنى سلمة، وزيد بن ثابت من بنى النجار.
وفى فتح خيبر أهدت يهودية تسمى زينب بنت الحارث، امرأة سلام ابن مشكم، إلى رسول الله ﷺ شاة مصلية (^٢)، قد جعلت فيها السم، وكان أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ الذراع، فتناول رسول الله ﷺ،
_________________
(١) الودك: دهن اللحم الذي يستخرج منه وكذلك الدسم.
(٢) المصلية: المشوية.
[ ١٦٩ ]
فلاك منها مضغة، وكان معه ﵇ بشر بن البراء بن معروف من بنى سلمة، فأكل منه وازدرد لقمة، فقال ﵇: إن هذا العظم ليخبرنى أنه مسموم، ولفظ لقمة، ثم دعا باليهودية فاعترفت، ومات بشر من أكلته تلك، رضوان الله عليه، ولم يقتل ﵇ اليهودية.
وكان المسلمون يوم خيبر ألفا وأربعمائة رجل ومائتى فارس. ووقع سهم زبير بن العوام بالخوع من النطاة؛ ووقع أيضا بالنطاة سهم بنى بياضة وبنى الحارث بن الخزرج؛ ووقع بنو عوف بن الخزرج ومزينة فى ناعم من النطاة، ووقع سهم عاصم بن عدى أخى بنى عجلان مع سهم رسول الله ﷺ وسهم عبد الرحمن بن عوف، وسهام بنى ساعدة، وبنى النجاة، وعلى بن أبى طالب، وطلحة بن عبيد الله، وغفار، وأسلم، وعمر بن الخطاب، وبنى سلمة، وبنى حارثة، وجهينة، وثقيف من العرب -: فى الشق.
وكان عبيد بن أوس من بنى حارثة بن عوف، عرف يومئذ بعبيد السهام، لكثرة ما اشترى من سهام الناس يومئذ. اشترى عمر مائة سهم بخيبر، فهى صدقته الباقية إلى اليوم، وإلى يوم القيامة.