(١) منها القرآن، الذي دعا العرب وغيرهم مذ بعثه الله ﷿ قرنًا إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة إلى أن يأتوا بمثله إن شكوا في صدقه، فأعجز الله تعالى عن ذلك جميع البلغاء، ومنع الجن عن ذلك وغيرهم، قال تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على
_________________
(١) عقد ابن سعد في الطبقات ١/ ١: ١١٢ فصلًا لعلامات النبوة نزول الوحي على رسول الله؛ وأوردها ابن كثير ٦: ٧٤ مفصلة، واستخرج الأحاديث المتعلقة بها. وقد أفاض في ذكرها أبو نعيم في كتابه " دلائل النبوة " وخاصة في الفصلين الثاني والعشرين والتاسع والعشرين، وفيها كتب السيوطي كتاب الخصائص الكبرى. وتقصاها البيهقي في كتاب دلائل النبوة وهو مخطوط. والمواهب اللدنية ١: ٤٥٣ وانظر أيضًا صحيح البخاري ٤: ١٩١ في باب علامات النبوة، وتاريخ الذهبي ١: ٧٤، ٢٤٠ وما بعدها.
[ ٧ ]
عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ (البقرة: ٢٢). وقال تعالى ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ (يونس: ٣٨).
(٢) وشق الله تعالى له القمر بمكة، إذ سألته قريش آية، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ (القمر: ١ ٢).
(٣) وأطعم النفر الكثير في منزل جابر، وفي منزل أبي طلحة يوم الخندق:
مرة ثمانين رجلًا من أربعة أمداد من شعير وعناق (^١).
ومرة أكثر من ذلك، من أقراص من شعير، حملها أنس بن مالك في يده.
ومرة أطعم جميع الجيش، وهم تسعمائة، من تمر يسير أتت به ابنة بشير بن سعد في يدها، فأكلوا منه حتى شبعوا، وفضلت منه فضلة.
(٤) ونبع الماء من بين أصابعه، فشرب منه العسكر كلهم وهم عطاش، وتوضأوا كلهم، كل ذلك من قدح صغير ضاق عن أن يبسط فيه ﷺ يده المكرمة.
وأهراق من وضوئه في عين تبوك، ولا ماء فيها، ومرة أخرى في بئر الحديبية، فجاشتا بالماء، فشرب من عين تبوك أهل الجيش، وهم
_________________
(١) أمداد: جمع مد، وهو مكيال، وهو ربع صاع، والصاع أربعة أمداد. قيل إن أصل المد مقدر بأن يمد الرجل يديه فيملأ كفيه طعامًا. والعناق: الأنثى من أولاد المعز.
[ ٨ ]
ألوف، حتى رووا كلهم، وفاضت إلى يوم القيامة. وشرب من بئر الحديبية ألف وأربعمائة، حتى رووا كلهم، ولم يكن فيها قبل ذلك ماء.
(٥) وأمر ﵇ عمر بن الخطاب رضوان الله عليه أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير، فزودهم كلهم منه، وبقى بجثته كما كان (^١).
(٦) ورمى الجيش بقبضة من تراب، فعميت عيونهم، ونزل بذلبك القرآن في قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ (الأنفال: ١٧)
(٧) وأبطل ﷿ الكهانة بمبعثه، فانقطعت، وكانت ظاهرة موجودة.
(٨) وحن إليه الجذع الذي كان يخطب إليه، إذ عمل له المنبر، حتى سمع منه جميع الحاضرين مثل صوت الإبل، فضمه إليه، فسكن. وموضع الجذع معروف إلى اليوم، موقف عليه.
(٩) ودعا اليهود إلى تمنى الموت، وأخبرهم أنهم لا يتمنونه، فحيل بينهم وبين النطق بذلك، وهذا منصوص في القرآن (^٢).
_________________
(١) الربضة (بضم الراء وكسرها)، ويقال: " أتانا بتمر مثل الربضة الخروف " أي قدر جثة الخروف الرابض. في الأصل: " وبقى بجنسه كما كان "، وكأنها محرفة عن " بجثته "، وجثة الإنسان وغيره شخصه. قال ابن فارس إن أصل مادته (جث) تدل على تجمع الشيء.
(٢) هو أمر الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين﴾ (البقرة: ٩٤ - ٩٥) وأمره تعالى: ﴿قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولا يتمنونه أبدًا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين﴾ (الجمعة: ٦ - ٧).
[ ٩ ]
(١٠) وأخبر بالغيوب.
وأنذر بأن عمارًا تقتله الفئة الباغية.
وأن عثمان ﵁ تصيبه بلوى [وله] الجنة (^١).
وأن الحسن بن علي رضوان الله عليهما سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فكان كل ذلك.
وأخبر عن رجل قاتل في سبيل الله ﷿ بأنه من أهل النار، فظهر ذلك، بأن ذلك الرجل قتل نفسه.
وهذه الأشياء لا تعرف ألبتة بشيء من وجوه تقدمه المعرفة، لا بنجوم، ولا بكتف، ولا بخطٍ، ولا بزجرٍ.
(١١) وأتبعه سراقة بن مالك بن خعشم، فساخت قدمًا فرسه في الأرض، ثم أخرجها وأتبعه دخان، حتى استعاذه سراقة، فدعا له، فانطلقت الفرس.
(١٢) وأنذر بأن ستوضع في ذراعيه سوار كشرى، فكان كذلك (^٢).
(١٣) وأخبر بقتل الأسود العنسي الكذاب ليلة قتله، وهو بصنعاء اليمن، وأخبر بمن قتله.
_________________
(١) ما بين القوسين ليس في الأصل، وما أثبتناه هو الصواب لحديث البخاري (٥: ١٣ - ١٤) عن أبي موسى الأشعري قال: " … ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة، ثم قال: أئذن له وبشره بالجنة، على بلوى ستصيبه، فإذا عثمان بن عفان ".
(٢) ذلك قول رسول الله ﷺ لسراقة بن مالك: " كيف بك إذا لبست سواري كسرى " فلما فتحت الفتوح أتى عمر بسواري كسرى، فدعا سراقة وألبسه إياهما.
[ ١٠ ]
(١٤) وأنذر بموت النجاشي، وبينه وبينه البحر الملح، ومسيرة أيام في البر، وخرج هو وجميع أصحابه إلى البقيع، فصلوا عليه فوجد قد مات ذلك اليوم، إذ ورد الخبر بذلك.
(١٥) وخرج من بيته على مائة من قريش ينتظرونه ليقتلوه بزعمهم، فوضع التراب على رؤوسهم، ولم يروه.
(١٦) وشكا إليه البعير بحضرة أصحابه وتذلل له.
(١٧) وقال لنفر من أصحابه: أحدكم في النار ضرسه مثل أحد، فماتوا كلهم على الإسلام وارتد منهم واحد: وهو الرحال الحنفي، فقتل مرتدًا مع مسيلمة الكذاب، لعنها الله تعالى.
(١٨) وقال لآخرين منهم: آخركم موتًا في النار، فسقط آخرهم موتًا في النار، فاحترق فمات.
(١٩) ودعا شجرتين فأتتاه فاجتمعتا، ثم أمرهما فافترقتا.
(٢٠) وكان صلوات الله وسلامه عليه نحو الربعة، فإذا مشى مع الطوال طالهم (^١).
(٢١) ودعا النصارى إلى المباهلة بالتلاعن (^٢)، فامتنعوا، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك هلكوا كلهم، فعلموا صحة قوله، فامتنعوا.
(٢٢) وأتاه عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة
_________________
(١) هكذا قال ابن حزم " نحو الربعة " والذي في ابن سعد وغيره " فوق الربعة ".
(٢) المباهلة: الملاعنة؛ وقد ذكرت مباهلة نصارى نجران في سورة آل عمران: ٦١، وانظر ابن هشام ٢: ٢٣٣، وابن سعد ١/ ٢: ٨٤ والإمتاع: ٥٠٢.
[ ١١ ]
ابن عامر بن صعصعة، وأربد بن قيس (^١) بن جزء بن خالد بن جعفر ابن كلاب، وهما فارسا العرب وفاتكاهم، عازمين على قتله، فحال الله بينهما وبين ذلك؛ وضرب بين أربد وبينه، ﷺ، مرة بعامر، ومرة بسور، ودعا عليهما، فهلك عامر في وجهه من منصرفه عنه ﵇، وأهلك أربد الصاعقة، أحرقته، لعنهما الله.
(٢٣) وأخبر أنه يقتل أبي بن خلف الجمحي، فخدشه يوم أحد خدشًا لطيفًا، فكانت منيته منها.
(٢٤) وأطعم السم، فمات من أكله معه لحينه، وعاش هو ﷺ بعد ذلك بأربع سنين؛ وكلمه ذراع الشاة المسمومة بأنه مسموم.
(٢٥) وأخبر أصحابه يوم بدر بمصارع صناديد قريش، ووقفهم على مصارعهم رجلًا رجلًا، فلم يتعد واحد منهم ذلك الموضع.
(٢٦) وأنذر بأن طوائف من أمته يغزون في البحر، وقال لأم حرام بنت ملحان: أنت منهم؛ فكانت منهم؛ وصح غزو طائفة من أمته في البحر.
(٢٧) وزويت له الأرض، فأرى مشارقها ومغاربها (^٢)، وأنذر ببلوغ ملك أمته ما زوى له منها، فكان ذلك؛ وبلغ ملكهم من
_________________
(١) هكذا جاء نسبه أيضًا في الجمهرة: ٢٦٨ وابن هشام ٤: ٢١٣ والطبري ٣: ١٦٥ وابن سيد الناس ٢: ٢٣٢ والإمتاع: ٥٠٨ والأغاني ١٥: ١٣٠. وفي ابن سعد ١/ ٢: ٥١: هو أربد بن ربيعة بن مالك بن جعفر، وهذا خطأ لا ندري كيف وقع في كتاب ابن سعد، ولو كان خطأ من ابن سعد لاستدركه عليه علماء الأمة الذين نقلوا عنه، أو لنقلوا خلافة لإجماع النسابين. ولعل ناسخ هذه النسخة من كتابه رأى ابن سعد يقول " وأربد أخو لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر " فسها وخلط نسبًا في نسب. وأربد بن قيس، أخو لبيد بن ربيعة لأمه بلا شك.
(٢) زويت: طويت وجمعت.
[ ١٢ ]
أول المشرق إلى بلاد السند والترك إلى ىخر المغرب من سواحل البحر المحيط بالأندلس وبلاد البربر، ولم يتسعوا في الجنوب والشمال كل الاتساع، أعنى مثل اتساعهم شرقًا وغربًا، فكان كما أخبر سواء بسواء.
(٢٨) وأخبر فاطمة ابنته رضوان الله عليها أنها أول أهله لحاقًا به، فكان كذلك.
(٢٩) وأخبر نساءه رضوان الله عليهن بأن أطوالهن يدًا أسرعهن لحاقًا به، فكانت زينب بنت جحش الأسدية أطولهن يدًا بالصدقة، وأولهن موتًا بعده.
(٣٠) ومسح ضرع شاة فدرت، فكان ذلك سبب إسلام عبد الله ابن مسعود. ومرةً أخرى في أخرى في خيمتي أم معبد الخزاعية.
(٣١) وندرت عين بعض أصحابه، وهو قتادة، فسقطت، فردها (^١)، فكانت أصح عينيه وأحسنهما.
(٣٢) وتفل في عيني علي رضوان الله عليه، وهو أرمد، يوم خيبر، فصح من حينه، ولم يرمد بعدها، وبعثه بالراية وقد قال: لا ينصرف حتى يفتح الله عليه، فكان كما قال، لم ينصرف كرم الله وجهه، إلا بالفتح.
(٣٣) وكانوا يسمعون تسبيح الطعام بين يديه.
(٣٤) وأصيبت رجل بعض أصحابه، فمسحها فبرئت من حينها.
(٣٥) وقل زاد جيشٍ كان فيه، فدعا بجميع ما بقي مكن الزاد،،
_________________
(١) هو قتادة بن النعمان، وقد أصيبت عينه يوم أحد. انظر ابن هشام ٣: ٨٧؛ وندر الشيء: خرج من موضعه وسقط.
[ ١٣ ]
فاجتمع منه شيء يسير جدًا، فدعا عليه بالبركة، ثم أمرهم فأخذوا، فلم يبق وعاء في العسكر إلا ملئ.
(٣٦) وحكى الحكم بن أبي العاصي (^١) مشيته مستهزئًا، فقال له: كذلك فكن، فلم يزل يرتعش إلى أن مات.
(٣٧) وخطب أمامة بنت الحارث بن عوف (^٢) بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذيبان، وكان أبوها أعرابيا جافيًا، سيد قومه، فقال: إن بها بياضًا، وكانت العرب تكنى بهذا عن البرص، فقال له صلوات الله وسلامه عليه: لتكن كذلك؛ فبرصت من وقتها، وانصرف أبوها، فرأى ما حدث بها، فتزوجها ابن عمها، يزيد بن جمرة بن عوف بن أبي حارثة، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد وهو المعروف بابن البرصاء (^٣).
إلى غير ذلك من آياته ومعجزاته ﷺ؛ وإنما أتينا بالمشهور المنقول نقل التواتر. بالله التوفيق.
_________________
(١) لم يعده ابن حبيب في المستهزئين، بل ذكره فيمن كانوا يؤذون رسول الله (المحبر ص ١٥٧)، وليس في ترجمة الحكم كما وردت في الاستيعاب وأسد الغابة والإصابة ما يشير إلى شيء مما ذكره ابن حزم هنا؛ غير أن البلاذري ذكره في أنساب الأشراف (٥: ٢٧) وقال: كان مغموصًا عليه في دينه، فكان يمر خلف رسول الله فيغمز به ويحكيه ويخلج بأنفه وفمه، وإذا صلى قام خلفه، فأشارا بأصابعه، فبقى على تخليجه وأصابته خبلة.
(٢) في الأصل: " الحارث بن أبي عوف " وصوابه من الجمهرة: ٢٤١، وطبقات ابن سلام: ٥٦٦، وابن هشام ٣: ٢٢٦. والحارث المذكور هو قائد بني مرة يوم الأحزاب. وانظر الخبر في ترجمته في الإصابة.
(٣) في الأغاني (١١: ٨٩) أن أمه اسمها قرصافة، وأنها سميت البرصاء لبياضها لا لبرص فيها؛ وقال ابن الأنباري في شرح المفضليات (ص: ٣٣٦) إن قرصافة أم أمه، أما أمه فهي جمرة وقيل جبرة.
[ ١٤ ]
حجة ﷺ