وقدم على رسول الله ﷺ في نصف صفر، في آخر تمام السنة الثالثة من الهجرة نفر من عضل والقارة، وهم بنو الهون بن خزيمة بن مدركة، أخي بني أسد بن خزيمة. فذكروا له ﷺ أن فيهم إسلامًا، ورغبوا أن يبعث نفرًا من المسلمين يفقهونهم في الدين، فبعث رسول الله ﷺ معهم ستة رجال من أصحابه (^٢): مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وخالد بن البكير الليثي، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أحد بني عمرو بن عوف بن الأوس، وخبيب بن عدي أحد بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدقنة أحد بني بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر.
وأمر رسول الله ﷺ مرثد بن أبي مرثد (^٣)، ونهضوا مع القوم، حتى إذا صاروا بالرجيع (^٤)، ماء لهذيل بناحية الحجاز بالهدأة، غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هذيلًا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال
_________________
(١) انظر: الواقدي: ٣٤٤، وابن هشام ٣: ١٧٨، وابن سعد ٢/ ١: ٣٩، والطبري ٣: ٢٩، وابن سيد الناس ٢: ٤٠، وابن كثير ٤: ٦٢، والإمتاع: ١٧٤، والمواهب ١: ١٣٠، وتاريخ الخميس ١: ٤٥٤، وصحيح البخاري ٥: ١٠٣، والمسند: ٧٩١٥ تحقيق أحمد محمد شاكر.
(٢) في الجامع الصحيح للبخاري أنهم كانوا عشرة، وكذلك قال ابن سيد الناس. وفي الواقدي أنهم كانوا سبعة، والصحيح أنهم عشرة، سبعة منهم معلومة أسماؤهم في كتب الأحاديث والسير، وثلاثة لم يكونوا من مشاهير القوم، والسابع الذي لم يذكره ابن حزم هنا هو معتب بن عبيد.
(٣) الصحيح: أنه أمر عليهم عاصم بن ثابت البخاري ٥: ١٠٣).
(٤) الرجيع: اسم ماء لهذيل، حكى البخاري أنه بين عسفان ومكة.
[ ١٧٦ ]
بأيديهم السيوف وقد غشوهم، فأخذ المسلمون سيوفهم لقاتلوهم، فأمنوهم، وخبروهم أنهم لا أرب لهم في قتلهم، وإنما يريدون أن يصيبوا بهم فداء من أهل مكة.
فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فأبوا، وقالوا: والله لا قبلنا لمشرك عهدًا أبدًا. فقاتلوهم حتى قتلوا؛ وكان عاصم يكنى أبا سليمان، وكان قد قتل يوم أحد فتيين من بني عبد الدار، ابنين لسلافة ابنة سعد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها (^١) أن تشرب الخمر في قحفة (^٢)، فرأت بنو هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد ابن شهيد، فأرسل الله تعالى الدبر (^٣) فحمته، فقالت هذيل: إذا جاء الليل ذهب الدبر، فأرسل الله تعالى سيلًا لم يدر سببه، فحمله قبل أن يقطعوا رأسه، فلم يصلوا إليه، وكان قد نذر أن لا يمس مشركًا أبدًا، فأبر الله تعالى قسمه بعد موته، رضوان الله عليه.
وأما زيد الدثنة، وخبيب بن عدي، وعبد الله بن طارق فأعطوا بأيديهم (^٤) فأسروا، وخرجوا بهم إلى مكة، فلما صاروا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه، واستأخر عنه القوم، ورموه بالحجارة حتى مات، رضوان الله عليه، فقبره بمر الظهران.
وحملوا خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، فباعوهما بمكة، فصلب
_________________
(١) هكذا في الأصل: ولعل صوابه: " ابنيها ".
(٢) القحف، بكسر القاف: ما انفق من الجمجمة.
(٣) الدبر: النحل والزنابير.
(٤) أعطوا بأيديهم: انقادوا.
[ ١٧٧ ]
خبيب بالتنعيم، رضوان الله عليهم؛ وهو القائل إذ قرب ليصلب (^١):
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا … على أي شق كان في الله مضجعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلوٍ ممزع وهو أول من سن الركعتين عند القتال.
وابتاع زيد بن الدثنة صفوان بن أمية، فقتله بأبيه، رضوان الله على زيد. وقال أبو سفيان لخبيب أو لزيد: يسرك أن محمد مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك فقال: والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمدًا في مكانه الذي هو في يصيبه شوكة تؤذيه.