وأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بقية شوال، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر، في آخر تمام السنة الثالثة من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد.
وكان سبب ذلك أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهو ملاعب الأسنة، وفد على رسول الله ﷺ، فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد، لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل
_________________
(١) البيتان في البخاري ٥: ١٠٤، وابن سيد الناس ٢: ٤١ وغيرهما.
(٢) انظر الخبر عن بئر معونة في الواقدي: ٣٣٧، ٣٧٨، وابن هشام ٣: ١٩٣، وابن سعد ٢/ ١: ٣٦، والطبري ٣: ٣٣، وابن سيد الناس ٢: ٤٦، وابم كثير ٤: ٧١، وزاد المعاد ٢: ٢٧٢، والإمتاع: ١٧٠ والمواهب ١: ١٣٣، وتاريخ الخميس ١: ٤٥١.
[ ١٧٨ ]
نجد فدعوهم إلى أمرك، لرجوت أن يستجيبوا لك. فقال ﷺ: إني أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو براء: أنا جارهم.
فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو، أحد بني ساعدة، وهو الذي يلقب: المعنق ليموت، في أربعين رجلًا من المسلمين، وقد قيل في سبعين من خيار المسلمين، منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو أم سليم، وهو خال أنس بن مالك وعروة ابن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق، وغيرهم؛ فنهضوا فنزلوا بئر معونة (^١)، وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، ثم بعثوا منها حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى عدو الله ورسوله ﷺ، عامر بن الطفيل. فلما أتاه لم ينظر في كتابه، ثم عدا عليه فقتله، ثم استنهض إلى قتال الباقين بني عامر، فأبوا أن يجيبوه، لأن أبا براء أجارهم، فاستغاث عليهم بني سليم، فنهضت معه عصية ورعل وذكوان، وهم قبائل من بني سليم، فأحاطوا بهم، فقاتلوا فقتلوا كلهم رضوان الله عليهم، إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنه ترك في القتلى وفيه رمق، فارتث (^٢) من القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق رضوان الله عليه.
وكان عمرو بن أمية في سرح المسلمين، ومعه المنذر بن محمد بن عقبة
_________________
(١) بئر معونة: ماء من مياه بني سليم، بين أرض بني عامر وأرض بني سليم، كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب.
(٢) ارتث: رفع وبه جراح.
[ ١٧٩ ]
ابن أحيحة بن الجلاح (^١)، فنظر إلى الطير تحوم على العسكر، فنهضا ناحية اصحابها، فإذا الطير تحوم على القتلى، والخيل التي أصابتهم لم تزل بعد؛ فقال المنذر بن محمد لعمرو بن أمية: فما ترى فقال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطب قتل في المنذر بن عمرو. فقاتل حتى قتل، وأخذ عمرو بن أمية أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر، جز ناصيته عامر بن الطفيل، وأطلقه عن رقبة كانت على أمه. وذلك لعشرين بقين من صفر، مع الرجيع في شهر واحد.
فرجع عمرو بن أمية، حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني كلاب، وقيل من بني سليم، حتى نزلا مع عمرو بن أمية في ظل كان فيه، وكان معهما عهد من رسول الله ﷺ لم يعلم به عمرو، فسألهما: من أنتما فانتسبا له، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه أصاب ثأرًا من قتلة أصحابه.
فلما قدم على رسول الله ﷺ أخبره بذلك، فقال له رسول الله ﷺ: لقد قتلت قتيلين لأدينهما. وهذا سبب غزوة بني النضير.
_________________
(١) في الأصل: أحيحة بن عمرو بن الجلاح.
[ ١٨٠ ]