فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد قدومه من بحران، جمادى الآخرة، ورجبًا، وشعبان، ورمضان، فغزته كفار قريش في شوال سنة ثلاثة، وقد استمدوا بحلفائهم والأحابيش (^٢) من بني كنانة وغيرهم، وخرجوا بنسائهم لئلا يفروا، فأتوا فنزلوا بموضع يقال له: عينين، وهو بقرب أحد على جبل ببطن السبخة من قناة، على شفير الوادي، مقابلة المدينة.
فرأى رسول الله ﷺ رؤيا، أن في سيفه ثلمة، وأن بقرًا تذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة؛ فتأولها: أن نفرًا من أصحابه يقتلون، وأن رجلًا من أهل بيته يصاب، وأول الدرع المدينة.
فأشار رسول الله ﷺ أن لا يخرجوا إليهم، وأن يتحصنوا بالمدينة، فإن قدموا منها قاتلهم على أفواه الأزقة، ووافق رسول الله ﷺ على هذا الرأي عبد الله بن أبي ابن سلول، وألح قوم من
_________________
(١) انظر: الواقدي: ١٩٧، وابن هشام ٣: ٦٤، وابن سعد ٢/ ١: ٢٥، والطبري ٣: ٩، وأنساب الأشراف ١: ١٤٨، وابن سيد الناس ٢: ٢، وابن كثير ٤: ٩، وزاد المعاد ٢: ٢٣١، والإمتاع: ١١٤، والمواهب ١: ١١٩، وتاريخ الخميس ١: ٤١٩، وصحيح البخاري ٥: ٩٣.
(٢) الأحابيش: أحياؤ من القارة انضموا إلى بني ليث في الحرب التي وقعت بينهم وبين قريش قبل الإسلام. وقيل: بل إن بني المصطلق وبني الهون بن خزيمة اجتمعوا عند جبل حبشي بأسفل مكة، وحالفوا عنده قريشًا، وتحالفوا بالله: إذا ليد على غيرنا ما سحبا ليل وضح نهار، وما أرسى حبشي مكانه، فسموا: أحابيش قريش، باسم الجبل.
[ ١٥٦ ]
فضلاء المسلمين، ممن أكرمه الله تعالى بالشهادة في ذلك اليوم على رسول الله ﷺ في الخزرج إلى قتالهم، حتى دخل النبي ﷺ فلبس لأمته وخرج، وذلك يوم الجمعة، فصلى على رجل من بني النجار مات، يقال له: مالك بن عمرو، وقيل: بل اسمه محرز ابن عامر؛ فندم الذين ألحوا عليه، وقالوا: يا رسول الله إن شئت فاقعد. فقال رسول الله ﷺ: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم للصلاة بمن بقى بالمدينة من المسلمين. فلما صار رسول الله ﷺ بالشؤط بين المدينة وأحد، انصرف عبد الله ابن أبي ابن سلول بثلث الناس مغاضبًا إذ خولف رأيه، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر، يذكرهم الله ﷿ والرجوع إلى رسول الله ﷺ، فأبوا عليه، ورجع عنهم إلى رسول الله ﷺ.
وقد ذكر له قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود فأبى [من] (^١) ذلك، ومن أن يستعين بمشرك.
فسلك [﵇ مع المسلمين] (^٢) حرة بني حارثة، وقال: من يخرج بنا (^٣) على القوم من كثب فقال أبو خيثمة، أحد بني حارثة: أنا يا رسول الله. فسلك به بين أموال بني حارثة، حتى سلك في مال
_________________
(١) في الأصل: فأبى ذلك من أن يستعين. وتصحيحه من الإمتاع: ١٢٠.
(٢) وقعت هذه الجملة في الأصل بعد قوله " ورجع عنهم إلى رسول الله ﷺ ". ولا معنى لها هنالك، فيرددناها إلى موضعها الصحيح.
(٣) في الأصل: من بنا يخرج.
[ ١٥٧ ]
لمربع بن قيظي، وكان منافقًا ضرير البصر، فقام الفاسق يحثو التراب في وجوه المسلمين، ويقول: إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي، وزاد في القول، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال: لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر. وضربه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل بقوسه، فشجه في رأسه.
ونفذ رسول الله ﷺ حتى نزل (^١) الشعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل (^٢)، فجعل ظهره إلى أحد، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم؛ وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع بالصمغة من قناة للمسلمين (^٣)؛ وتعبأ رسول الله ﷺ في القتال، وهو في سبعمائة؛ وقيل: إن المشركين كانوا في ثلاثة آلاف، فيهم مائتا فرس، وقيل: كان في المشركين يومئذ خمسون فارسًا. وكان رماة المسلمين خمسين رجلًا، فأمر رسول الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف من (^٤) الأوس، وهو أخو خوات بن جبير، وعبد الله يومئذ [معلم] (^٥) بثياب بيض. فرتبهم رسول الله ﷺ، خلف الجيوش، فأمره أن ينصح المشركين بالنبل، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم. وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين (^٦)، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، أخي بني عبد الدار.
_________________
(١) في الأصل: ترك.
(٢) في هامش النسخة: هو جبل في أحد يسمى جبل الرمي.
(٣) الظهر: الإبل. والكراع: الخيل.
(٤) في الأصل: بن الأوس.
(٥) زيادة من ابن هشام ٣: ٧٠.
(٦) ظاهر بن درعين: ليس إحداهما فوق الأخرى.
[ ١٥٨ ]
وأجاز ﵇ يومئذ سمرة بن جندب الفزاري، ورافع بن خديج من بني حارثة، ولهما خمسة عشر عاما؛ كان رافع راميًا. ورد أسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعمرو ابن حزم، وهما من بني مالك بن النجار، والبراء بن عازب، وأسيد بن ظهير، وهما من بني حارثة، وعرابة بن أوس، وزيد بن أرقم، وأبا سعيد الخدري؛ ثم أجازهم عام الخندق، بعد ذلك بسنة. وكان لعبد الله ابن عمر يوم أحد أربعة عشر عامًا، وكان سائر من رد معه في هذه (^١) السن أيضًا.
فجعلت قريش على ميمنتهم في الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم في الخيل عكرمة بن أبي جهل.
ودفع رسول الله ﷺ سيفه بحقه (^٢) إلى أبي دجانة سماك بن خرشة أخي بني ساعدة، وكان شجاعًا بطلًا يختال عند الحرب.
وكان أبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بني ضبيعة، وهو والد حنظلة غسيل الملائكة، وكان أبوه كما ذكرنا في الجاهلية قد ترهب وتنسك، فلما جاء الإسلام غلب عليه الشقاء، ففر مباعدًا لرسول الله ﷺ، في جماعة من فتيان الأوس، فلحق بمكة، وشهد يوم أحد مع المشركين، وكان سيدًا في الأوس، فوعد قريشًا بانحراف قومه إليه، وكان هو أول من لقي المسلمين يوم أحد في عبدان أهل مكة والأحابيش؛ فلما نادى قومه وعرفهم بنفسه، قالوا: لا أنعم الله بك
_________________
(١) في الأصل: هذا.
(٢) كان حقه أن يضرب به العدو حتى ينحني. انظر ابن هشام ٣: ٧١.
[ ١٥٩ ]
عينًا يا فاسق. قال: لقد أصاب قومي بعدي شر. ثم قاتل المسلمين قتالًا شديدًا.
وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم أحد: أمت أمت. وأبلي يومئذ أبو دجانة، وطلحة، وحمزة، وعلي، وأبلى أنس بن النضر (^١) بلاء شديدًا عجز عن مثله كثير ممن سواه؛ وكذلك جماعة من الأنصار، أصيبوا يومئذ مقبلين غير مدبرين. وقاتل الناس، فاستمرت الهزيمة على قريش، فلما رأى ذلك الرماة قالوا: قد هزم الله أعداء الله. قالوا. فما لقعودنا هاهنا معنى، فذكر لهم أميرهم عبد الله بن جبير أمر رسول الله ﷺ لهم بأن لا يزولوا، فقالوا: قد انهزموا؛ ولم يلتفتوا إلى قوله، فقاموا، ثم كر المشركون، فأكرم الله تعالى من أكرم من أكرم من المسلمين بالشهادة، ووصلوا (^٢) إلى رسول الله ﷺ، فقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ، حتى قتل رضوان الله عليه؛ وجرح رسول الله ﷺ في وجهه المكرم، وكسرت رباعيته اليمنى والسفلى بحجر (^٣)، وهشمت البيضة في رأسه المقدس (^٤)، فأعطي رسول الله ﷺ الراية لعلي بن أبي طالب بعد مقتل مصعب، وصار رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار. وكان الذي نال مما ذكرنا من نحو النبي ﷺ عمرو بن قميثة الليثي، وعتبة بن أبي وقاص.
_________________
(١) في الأصل: النضر بن أنس.
(٢) في الأصل: ووصل.
(٣) الرباعية: إحدى الأسنان الأربعة التي تلي الثنايا، بين الثنية والناب.
(٤) البيضة: الحوذة.
[ ١٦٠ ]
وشد حمظلة الغسيل بن أبي عامر علي أبي سفيان، فلما تمكن منه، حمل شداد بن الأسود الليثي، وهو ابن شعوب، على حنظلة فقتله؛ وكان حنظلة قتل جنبًا كما قام من امرأته، فغسلته الملائكة، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ. وكان قد قتل أصحاب اللواء من المشركين حتى سقط، فرفعته عمرة بنت علقمة الحارثية للمشكرين، فاجتمعوا إليه.
وقد قيل: إن عبد الله بن شهاب الزهري، عم الفقيه محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري، هو الذي شج رسول الله ﷺ في جبهته، وألبت (^١) الحجارة على رسول الله ﷺ، حتى سقط في حفرة، قد كان حفرها أبو عامر الأوسي مكيدة للمسلين. فخر النبي ﷺ. ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري الدم من جرح رسول الله ﷺ؛ ونشب حلقتان من حلق المغفر في وجه رسول الله ﷺ، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح بثنينيه (^٢)، وعض عليهما حتى ندرت ثنيتا أبي عبيدة، وكان الهتم يزينه.
ولحق المشركون رسول الله ﷺ، فكر دونه نفر من المسلمين رضوان الله عليهم، كانوا سبعة، وقيل أكثر، حتى قتلوا كلهم، وكان آخرهم عمارة بن يزيد بن السكن.
ثم قاتل طلحة بعد ذلك كقتال الجماعة، حتى أجهض المشركين عن رسول الله ﷺ (^٣).
_________________
(١) في الأصل: وأكبت. ولعل الصواب ما أثبتنا. وألب على الأمر: لزمه.
(٢) في الأصل: بثنيته.
(٣) أجهض: أزال ونحى.
[ ١٦١ ]
وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية قتالًا شديدًا، وضربت عمرو بن قميئة بالسيف ضربات، فوقعت درعان كانتا عليه، وضربها عمرو بالسيف فجرحها جرحًا عظيمًا على عاتقها. وترس أبو دجانة عن رسول الله ﷺ بظهره، والنبل يقع فيه، وهو لا يتحرك، وحينئذ قال رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: ارم فداك أبي وأمي.
فأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان الظفري، فأتى رسول الله ﷺ وعينه على وجنته، فردها رسول الله ﷺ بيده، فكانت أصح عينيه وأحسنهما.
وانتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى جماعة من الصحابة، قد ألقوا بأيديهم، فقال لهم: ما يجلسكم قالوا: قتل رسول الله ﷺ. فقال لهم: ما تصنعون بالحاءة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ. ثم استقبل الناس، ولقى سعد بن معاذ، قال: يا سعد، إني والله لأجد ريح الجنة من قبل أحد. فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه، وجد به سبعون ضربة.
وجرح يومئذ عبد الرحمن بن عوف نحو عشرين جراحة، بعضها في رجله، فعرج منها.
وأول من ميز رسول الله ﷺ يومئذ بعد الحملة كعب بن مالك الشاعر من بني سلمة، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله ﷺ. فأشار رسول الله ﷺ أن اصمت. فلما عرفه لاثوا به، ونهضوا معه نحو الشعب، فيهم: أبو بكر
[ ١٦٢ ]
وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، والحارث بن الصمة الأنصاري، وغيرهم.
فلما أسند رسول الله ﷺ في العب، أدركه أبي بن خلف الجمحي، فتناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، ثم طعنه بها في عنقه، فكر أبي منهزمًا، فقال له المشركون: والله ما بك من بأس. فقال: والله لو بصق علي لقتلني. وكان قد أوعد رسول الله ﷺ القتل بمكة، فقال له رسول الله ﷺ: أنا أقتلك. فمات عدو الله بسرف، مرجعه إلى مكة.
وملأ على درقته من المهراس (^١) فأتى به النبي ﷺ، فوجد له رائجة، فعافه، وغسل به وجهه، ونهض إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وكان بدن (^٢)، وظاهر بين درعين، فجلس طلحة بن عبيد الله، وصعد رسول الله ﷺ على ظهره، ثم استقل به طلحة حتى استوى رسول الله ﷺ. وحانت الصلاة، فصلى ﷺ قاعدًا والمسلمون وراءه قعودًا.
وانهزم قوم من المسلمين، فبلغ بعضهم إلى الجلعب (^٣) دون الأعوص (^٤). منهم: عثمان بن عفان، وعثمان بن عبيد الأنصاري، غفر الله ﷿ ذلك لهم،
_________________
(١) المهراس: صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء، وهو اسم بأقصى شعب أحد يجتمع من الماء في نقرة هناك.
(٢) بدن: أسن وضعف.
(٣) في الأصل: الجعب. وصوابه من تفسير الطبري ٤: ٩٦ عن ابن إسحق قال: " فر عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان، رجلان من الأنصار، حتى بلغوا الجلعب - جبل بناحي المدينة مما يلي الأعوص، فأقاموا به ثلاثة ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ، فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة ". وفي ابن هشام ٣: ٩٢ أن بعض المنهزمين انتهى إلى المنقى دون الأعوص. وانظر: " الجعلب " في معجم ما استعجم وفي ياقوت.
(٤) الأعوص، بفتح أوله وبالصاد المهملة: موضع بشرق المدينة على بضعة عشر ميلًا منها.
[ ١٦٣ ]
ونزل القرآن بالعفو بقوله تعالى: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استنزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ولقد عفا الله عنهم﴾ إلى آخر الآية.
وكان الحسيل بن جابر، وهو اليمان والد حذيفة، وثابت بن وقش، شيخين كبيرين فاضلين، قد جعلا في الآطام مع النساء والصبيان والهرمى؛ فقال أحدهما لصاحبه: ما بقى من أعمارنا إلا ظمء حمار (^١)، فلو أخذنا سيوفنا فلحقنا برسول الله ﷺ، لعل الله تعالى يرزقنا الشهادة. ففعلا ذلك، ودخلا في المسلمين؛ فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما الحسيل فظنه المسلمون من المشركين فقتلوه خطأ، وقيل: إن متولي قتله كان عتبة بن مسعود، أخا عبد الله بن مسعود، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين.
وكان مخيريق أحد بني ثعلبة بن الفطيون من اليهود، فدعا اليهود مخيريق إلى نصر رسول الله ﷺ، وقال لهم: والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم حق واجب. فقالوا له: إن اليوم السبت. فقال: لا سبت لكم. فأخذ سلاحه، ولحق رسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل، وأوصى أن يكون ماله لرسول الله ﷺ يصنع فيه ما يشاء، فيقال: إن بعض صدقات رسول الله ﷺ بالمدينة من مال مخيريق.
وكان الحارث بن سويد بن الصامت منافقًا، فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى المسلمون عدا على المجذر بن ذياد البلوي، وعلى قيس بن زيد أحد بني ضبيعة، فقتلهما، وفر إلى الكفار، وكان المجذر في الجاهلية
_________________
(١) الظمء: ما بين الشربين والوردين. وقولهم: ما بقي من عمر إلا ظمء حمار، أي لم يبق من عمره إلا اليسير. يقال: إنه ليس شيء من الدواب أقصر ظمئًا من الحمار.
[ ١٦٤ ]
قتل سويدًا والد الحارث المذكور في بعض حروب الأوس والخزرج. ولحق الحارث بنم سويد بمكة، فأقام هنالك، ثم إنه حينه الله ﵎ (^١)، فانصرف إلى قومه، فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء، فنهض عليه السلا إلى قباء في وقت لم يكن يأتيهم فيه، فخرج إليه الأنصار أهل قباء، في جملتهم الحارث بن سويد عليه ثوب مورس (^٢)، فأمر رسول الله ﷺ عويم بن ساعدة بأن يضرب عنق الحارث بن سويد. فقال الحارث: فيم يا رسول الله فقال: في قتلك المجذر بن ذياد يوم أحد غيلة. فما راجعه الحارث بكلمة. وضرب عويم عنقه، فانصرف رسول الله ﷺ ولم يجلس. وقد روى أنه قال: يا رسول الله، والله ما قتلته شكًا في ديني، ولكني لما رأيته لم أملك نفسي، إذ ذكرت أنه قاتل أبي. ثم مد عنقه وقتل.
وكان عمرو بن ثابت بن وقش، من بني عبد الأشهل، يعرف بالأصيرم يأبى الإسلام. فلما كان يوم أحد، قذف الله تعالى في قلبه الإسلام للذي أراد به من السعادة، فأسلم، وأخذ سيفه ولحق بالنبي ﷺ. فقاتل، فأثبت بالجراح، ولم يعلم أحد بأمره؛ فلما انجلت الحرب طاف بنو عبد الأشهل في القتلى يلتمسون قتلاهم، فوجدوه وبه رمق يسير، فقال بعضهم لبعض: والله إن هذا الأصيرم. فأجابه: لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر. ثم سألوه: يا عمرو، ما الذي أتى بك أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام فقال: بل رغبة في الإسلام، آمن بالله ورسوله، ثم قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى أصابني ما ترون. فمات من
_________________
(١) حينه الله: أهلكه، من الحين (بفتح الحاء): وهو الهلاك.
(٢) المورس: المصبوغ بالورس، وهو نبت أصفر.
[ ١٦٥ ]
وقته؛ ذكره لرسول الله ﷺ، فقال: هو من أهل الجنة. قيل: وكان أبو هريرة إذا بلغه أمره يقول: ولم يصل لله قط.
وكان في بني ظفر رجل أتى (^١) لا يدرى ممن هو، يقال له قزمان، فأبلي يوم أحد بلا شديدًا، وقتل سبعة من وجوه المشركين، وأثبت جرحًا، فأخبر رسول الله ﷺ بأمره، فقال: هو من أهل النار. فقيل لقزمان: أبشر بالجنة. فقال: بماذا أبشر والله ما قتلت إلا عن أحساب قومي. ثم لما اشتد عليه الألم أخرج سهمًا من كنانته، فقطع به بعض عروقه، فجرى دمه حتى مات.
ومثل بقتلى المسلمين.
وأخذ الناس ينقلون قتلاهم بعد انصراف قريش، فأمر رسول الله ﷺ بأن يدفنوا في مضاجعهم، وأن لا يغسلوا، ويدفنوا بدمائهم وثيابهم.
فكان ممن استشهد من المسلمين يوم أحد (^٢):
حمزة، عم رسول الله ﷺ، قتله وحشي، غلام بني نوفل ابن عبد مناف، وأعتق لذلك، رماه بحربة، فوقعت في ثنته. ثم إن وحشيًا أسلم، وقتل بتلك الحربة نفسها مسيلمة الكذاب يوم اليمامة.
وعبد الله بن جحش حليف أمية، وقيل: إنه دفن مع حمزة في قبر واحد، لأن النبي ﷺ أمرهم أن يحفروا ويعمقوا، وبدفنوا الرجلين والثلاثة في قبر واحد، ويقدموا أكثرهم قرآنًا.
_________________
(١) الأتي: الرجل يكون في القوم ليس منهم.
(٢) انظر: الواقدي: ٢٩١، وابن هشام ٣: ١٢٩، وابن سعد ٢/ ١: ٢٩، وتلقيح الفهوم: ٢٢٤، وابن سد الناس ٢: ٢٧، وابن كثير ٤: ٢٠، ٤٦، والإمتاع: ١٦٠، وتاريخ الخميس ١: ٤٥.
[ ١٦٦ ]
وذكر سعد بن أبي وقاص قال: قعدت أنا وعبد الله بن جحش صبيحة يوم أحد نتمنى، فقلت: اللهم لقني من المشركين رجلًا عظيمًا كفره، شديدًا حرده (^١)، فيقاتلني فأقتله: قيل: فآخذ سلبه. فقال عبد الله بن جحش: اللهم لقني من المشركين رجلًا عظيمًا كفره، شديدًا [حرده] (^٢)، فأقاتله فيقتلني، قيل: ويسلبني ثم يجدع انفي وأذني، فإذا لقيتك فقلت: يا عبد الله ابن جحش، فيم جدعت قلت: فيك يا ربي. قال سعد: فوالله لقد رأيته آخر ذلك النهار وقد قتل، وإن أنفه وأذنه لفي خيط واحد بيد رجل من المشركين؛ وكان سعد يقول: كان عبد الله بن جحش خيرًا مني.
ومصعب بن عمير، قتله ابن قميثة الليثي.
وعثمان بن عثمان، وهو شماس بن عثمان المخزومي.
ومن الأنصار، ثم من الأوس، ثم من بني عبد الأشهل:
عمرو بن معاذ بن النعمان، أخو سعد بن معاذ.
والحارث بن أنس بن رافع.
وعمارة بن زياد بن السكن.
وسلمة وعمرو، ابنا ثابت بن وقش.
وأبوهما: ثابت بن وقش.
وأخوه: رفاعة بن وقش.
وصيفي بن قيظي.
وحباب (^٣) بن قيظي.
_________________
(١) الحرد: الغيظ والغضب.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في الأصل: خباب، والتصويب عن ابن هشام؛ وحكى الدارقطني أنه " جناب " بالجيم المفتوحة عن ابن إسحاق؛ قال الخشني ١: ٢٣٦: والمحفوظ بالحاء.
[ ١٦٧ ]
وعباد بن سهل.
والحارث بن أوس بن معاذ، ابن أخي سعد بن معاذ.
واليمان، وهو الحسيل بن جابر، والد حذيفة حليف لهم.
ومن أهل راتج (^١) من بني عبد الأشهل أيضًا:
إياس بن أوس بن عتيك بن عمرو (^٢) بن الأعلم بن زعورا بن جشم (^٣).
وعبيد بن التيهان.
وحبيب بن زيد بن تيم (^٤).
ومن بني ظفر:
يزيد، أو زيد (^٥)، بن حاطب (^٦) بن أمية بن رافع.
ومن بني عمرو بن عوف؛ ثم من بني ضبيعة بن زيد:
أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد (^٧).
_________________
(١) أطم سميت به الناحية، وكان أصحابه - كما ذكر ابن حزم أيضًا - هم بنو زعورا بن جشم (الجمهرة: ٣١٩ والسمهودي ٢: ٣٠٩) فقوله هنا: " أهل راتج من بني عبد الأشهل " خطأ وقع فيه ابن إسحاق، وتابعه ابن حزم في هذا الكتاب. غير أنه لم يتورط في هذا الخطأ في الجمهرة. وذلك لأن عبد الأشهل ابن جشم هو أخو زهوراء بن جشم، وأبوهما هو الحارث بن الخزرج. ولقد أفرد ابن إسحاق أهل راتج بكلام مستقل بعد أن ذكر بني عبد الأشهل، فدل بذلك على أن أهل راتج غير بني عبد الأشهل - انظر أسد الغابة حيث تجد تفصيل القول في هذا الاضطراب.
(٢) في الأصل: عبيد بن عمير، والتصحيح عن الجمهرة: ٣٢٠، وابن هشام ٣: ١٣٠.
(٣) في الأصل: زعورا بن جشم بن عبد الأشهل، وهذا خطأ من حيث النسب، ولذلك حذفنا ما بعد جشم.
(٤) ليس حبيب بن زيد من بني زعورا بن جشم صليبة، ولكنه حليف لهم من بني بياضة (انظر ابن سيد الناس ٢: ٢٨).
(٥) في الأصل: يزيد بن زيد، وهو خطأ.
(٦) في الأصل: خاطب، والتصويب من الاستيعاب، وأسد الغابة، وابن سيد الناس، والإصابة.
(٧) في الأصل: يزيد، وتصويبه من ابن هشام.
[ ١٦٨ ]
وحنظلة الغسيل بن أبي عامر بن صيفي بن النعمان بن مالك (^١).
ومن بني عبيد بن زيد:
أنيس بن قتادة.
ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف:
أبو حبة بن عمرو بن ثابت، أخو سعد بن خيثمة لأمه.
وعبد الله بن جبير بن النعمان، أمير الرماة.
ومن بني السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس:
خيثمة، والد سعد بن خيثمة.
ومن حلفائهم من بني العجلان:
عبد الله بن سلمة.
ومن بني معاوية بن مالك:
سبيع بن حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة.
ومن بني خطمة:
عمير بن عدي، ولم يكن في بني خطمة يومئذ مسلم غيره (^٢).
ومن بني النجار، ثم من بني سواد (^٣):
عمرو بن قيس.
_________________
(١) ذكر بعد " حنظلة " في الأصل: قيس بن زيد بن ضبيعة فيمن استشهدوا يوم أحد، وهو خطأ حتمًا، ولعله أراد التعريف بقيس، لأنه ورد في نسب حفيده أبي سفيان بن الحارث فقال: قيس بن زيد هو ابن ضبيعة.
(٢) كذا ورد هنا، أما في ان هشام ٣: ١٣٣، والاستيعاب، وأسد الغابة، والإصابة، فإن الذي قتل من بني خطمة يوم أحد هو الحارث بن عدي. وقال الواقدي وأهل المغازي: إن عمير بن عدي لم يحضر أحدًا ولا الختندق، لضرر بصره. وقد ذكره ابن حزم هنا اتباعًا لأبي عمر في مغازيه.
(٣) في الأصل: ومن بني الخزرج ثم من بني النجار، والسياق يشير إلى خطئه.
[ ١٦٩ ]
وابنه: قيس بن عمرو بن قيس بن زيد بن سواد.
وثابت بن عمرو بن زيد.
وعامر بن مخلد.
ومن بني مبذول [بن مالك بن النجار] (^١):
أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة بن عمرو بن ثقف بن مالك بن مبذول.
وعمرو بن مطرف.
[ومن بني عمرو بن مالك بن النجار]:
أوس بن ثابت بن المنذر، أخو حسان بن ثابت (^٢).
[ومن بني عدي بن النجار]:
أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار (^٣).
وقيس بن مخلد، من بني مازن بن النجار.
وكيسان، عبد لهم.
ومن بني الحارث بن الخزرج:
خارجة بن زيد بن أبي زهير.
وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير دفنا في قبر واحد.
وأوس بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب، وهو أخو زيد بن أرقم.
_________________
(١) زيادة توضح نسب بني مبذول.
(٢) ليس أوس وأخوه حسان من بني مبذول، ولكنهما من بني عمرو بن مالك بن النجار.
(٣) يرجع كل من أنس بن النضر، وقيس بن مخلد، إلى عدي بن النجار.
[ ١٧٠ ]
ومن بني الأبجر، وهم بنو خدرة:
مالك بن سنان، والد أبي سعيد الخدري.
وسعيد بن سويد بن قيس بن عامر بن عباد بن الأبجر. وعتبة بن ربيع (^١) بن رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبد ابن الأبجر.
ومن بني ساعدة بن كعب بن الخزرج:
ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج ابن ساعدة.
وثقف بن [فروة بن] البدن (^٢).
[ومن بني طريف رهط سعد بن عبادة]:
عبد الله بن عمرو بن وهب بن ثعلبة بن وقش بن ثعلبة بن طريف.
وضمرة، حليف لهم من جهينة.
ومن بني عوف بن الخزرج، ثم من بني سالم، ثم من بني مالك بن العجلان بن يزيد بن غنم بن سالم:
نوفل بن عبد الله.
والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان.
والنعمان بن مالك بن ثعلبة بن فهر بن غنم بن سالم.
والمجذر بن ذياد البلوي، حليف لهم.
_________________
(١) في الأصل: ربيعة، والتصحيح عن ابن هشام والاستيعاب وأسد الغابة.
(٢) في الأصل: البدي، والمرجح أنه تصحيح من البدن، انظر التعليق رقم (١) ص: ١٣٥.
[ ١٧١ ]
وعبادة بن الحسحاس دفن هؤلاء الثلاثة: النعمان والمجذر وعبادة في قبر واحد.
ومن بني سلمة:
عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، اصطبح الخمر في صبيحة ذلك اليوم، ثم قتل من آخره شهيدًا، وذلبك قبل أن تحرم الخمر.
وعمر بن الجموح بن زيد بن حرام دفنا في قبر واحد، وكانا صديقين جدًا.
وابنه خلاد بن عمرو بن الجموح.
وأبو أيمن، مولى عمرو بن الجموح.
ومن بني سواد بن غنم:
سليم بن عمرو بن حديدة.
ومولاه عنترة.
وسهل بن قيس بن أبي كعب.
ومن بني زريق بن عامر:
ذكوان بن عبد قيس.
وعبيد بن المعلى بن لوذان فجميعهم خمسة وستون رجلًا.
وقد ذكر أيضًا في شهداء أحد من الأوس:
مالك بن نميلة، حليف بني معاوية بن مالك.
ومن بني خطمة، واسم خطمة: عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس: الحارث بن عدي بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمة.
ومن الخزرج، ثم من بني سواد بن مالك:
[ ١٧٢ ]
مالك بن إياس.
ومن بني عمرو بن مالك بن النجار:
إياس بن عدي.
ومن بني سالم بن عوف:
عمرو بن إياس.
فتموا سبعين، رضوان الله عليهم؛ ولم يصل رسول الله ﷺ على قتلى أحد حين دفنهم.
وقتل من كفار قريش يومئذ اثنا وعشرون رجلًا:
فيهم من بني عبد الدار:
طلحة، وأبو سعيد (^١)، وعثمان، بنو أبي طلحة واسم أبي طلحة: عبد الله ابن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار.
ومسافع، وجلاس، والحارث، وكلاب، بنو طلحة بن أبي طلحة المذكور.
وأرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
وابن عمه: أبو يزيد [بن] (^٢) عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
وابن عمهما: القاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
وصؤاب مولى أبي طلحة.
ومن بني أسد بن عبد العزى:
عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، قتله علي.
ومن بني زهرة بن كلاب:
_________________
(١) في الأصل: أبو سعد، وصححناه من الجمهرة: ١١٨، وابن هشام ٣: ١٣٤.
(٢) ساقطة من الأصل.
[ ١٧٣ ]
أبو الحكم بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف لهم، قتله علي.
وسباع بن عبد العزى الخزاعي، حليف لهم.
ومن بني مخزوم:
هشام بن أبي أمية بن المغيرة، أخو أم سلمة أم المؤمنين.
والوليد بن العاصي بن هشام بن المغيرة.
وأبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة.
وخالد بن الأعلم، حليف لهم.
ومن بني جمح:
أبو عزة الشاعر، وكان رسول الله ﷺ أسره يوم بدر، ثم من عليه وأطلقه بغير فداء، وأخذ عليه أن لا يعين عليه، فنقض العهد، فأسر يوم أحد، فأمر رسول الله ﷺ فضرب عنقه صبرًا، وقال له: والله لا تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمدًا مرتين.
وأبي بن خلف رجلان.
ومن بني عامر بن لؤي:
عبيدة بن جابر.
وشيبة بن مالك بن المضرب رجلان.
[ ١٧٤ ]