ثم كانت غزوة الخندق في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، هكذا قال أصحاب المغازي (^٢)؛ والثابت أنها في الرابعة بلا شك، لحديث ابن عمر: " عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني ". فصح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة فقط، وأنها قبل دومة الجندل بلا شك (^٣).
وسببها: أن نفرًا من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق، وكنانة
_________________
(١) انظر: الواقدي: ٣٦٢، وابن هشام ٣: ٢٢٦، وابن سعد ٢/ ١: ٤٧ والطبري ٣: ٤٣، وأنساب الأشراف ١: ١٦٥، وابن سيد الناس ٢: ٥٤، وابن كثير ٤: ٩٢، وزاد المعاد ٢: ٢٨٨، والإمتاع: ٢١٥، والمواهب ١: ١٤٢، وتاريخ الخميس ١: ٤٧٩، والبخاري ٥: ١٠٧.
(٢) يستثنى منهم موسى بن عقبة، فقد قال إنها كانت سنة أربع، وتابعه على ذلك الإمام مالك، وارتضاه البخاري؛ وبه حزم في هذا الكتاب.
(٣) نقل ابن كثير في كتاب الفصول: ٥٦ قول ابن حزم هذا واحتجاجه بحديث ابن عمر، وعلق عليه بقوله: هذا الحديث مخرج في الصحيحين وليس يدل على ما ادعاه [ابن حزم] لأن مناط إجازة الحرب كان عنده ﷺ خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن بلغها أجازه. فلما كان ابن عمر يوم أحد ممن لم يبلغها لم يجزه، ولما كان قد بلغها يوم الخندق أجازه؛ وليس ينفي هذا أن يكون قد زاد عليها بسنة أو سنتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك، فكأنه قال: وعرضت عليه يوم الخندق وأنا بالغ أو من أبناء الحرب. وقد قيل إنه كان يوم أحد في أول الرابعة عشرة من عمره وفي يوم الخندق في آخر الخامسة؛ [فيكون بينهما ما يزيد على سنة، وارتضى هذا الرأي بعض الذين لم يأخذوا بقول موسى بن عقبة].
[ ١٨٥ ]
ابن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم النضريون، وهوذة بن قيس، وأبو عمار الوائليان (^١). وهم حزبوا الأحزاب: خرجوا فأتوا مكة داعين إلى حرب رسول الله ﷺ، وواعدين من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك، فأجابهم أهل مكة إلى ذلك؛ ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان، فدعوهم إلى مثل ذلك، فأجابوهم.
فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على بني فزارة، والحارث ابن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعر بن رخيلة (^٢) بن نويرة ابن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من أشجع. فلما سمع [بهم] رسول الله ﷺ أمر بحفر الخندق على المدينة، فعمل فيه ﷺ بيده، فتم الخندق؛ وكانت فيه المعجزات، منها أن كدية صخر عرضت في الخندق كلت المعاول عنها (^٣)، فأتى رسول الله ﷺ، فدعا ونضح عليها الماء، فانهالت كالكثيب؛ وأطعم النفر العظيم من تمر يسير، إلى غير ذلك.
وقبلت الأحزاب حتى نزلت بمجتمع السيول من رومة (^٤)، بين الجرف
_________________
(١) في الأصل: وهوذة بن ميش وأبو عامر البلويان والتصحيح عن ابن هشام والطبري وفي الإمتاع: ٢١٦ وتاريخ الخميس ١: ٤٨٠ أن الثاني المذكور هنا هو أبو عامر الراهب.
(٢) في الأصل: رجيلة؛ وانظر نسبه في الجمهرة: ٢٣٨ ففيه اختلاف بعيد عما هنا. وقد أثبت المقريزي هذا الخلاف في الإمتاع: ٢١٨ - ٢١٩.
(٣) الكدية: الصفاة العظيمة الشديدة.
(٤) في الأصل: دومة، وهي كذلك في الطبري ٣: ٤٦. والصواب ما أثبتناه، لأن الدومة بالعالية قرب بني قريظة، أما رومة، فإن العرصة الكبرى التي حولها تمتد حتى تختلط بالجرف، وكلاهما في آخر العقيق (راجع السمهودي، ٢: ١٢٢، ٢٨٠، ٣١٨).
[ ١٨٦ ]
وزغابة (^١)، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وغيرهم. ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمى (^٢)، إلى جانب [أحد] (^٣).
وخرج رسول الله ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين (^٤)، وقد قيل: في تسعمائة فقط، وهو الصحيح الذي لا شك فيه، والأول وهم؛ حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، فنزلوا هنالك والخندق بينهم. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في الآطام.
وكان كعب بن أسد رئيس بني قريظة موادعًا لرسول الله ﷺ، فأتاه حيي بن أخطب، فلم يزل به، وكعب يأبى عليه، حتى أثر فيه، ونقض كعب عهده مع رسول الله ﷺ، ومال مع حيي.
_________________
(١) الجرف، بالضم ثم السكون في ياقوت، وضبطه البكري بضم أوله وثانيه -: على ثلاثة أميال من المدينة من جهة الشام. وزغابة، على وزن صحابة: مجتمع السيول آخر العقيق، ضبطه السمهودي بإعجام الغين، وكذلك قال السهيل. أما البكري فقال: هو زغابة، بضم الزاي والعين المهملة. وقال الطبري: الرواي الجيدة " بين الجرف والغابة، لأن زغابة لا تعرف "، ورد عليه ياقوت. (انظر معجم البلدان، والسهيل ٢: ١٨٩، والسمهودي: ٣١٨، ٢٨١، والطبري ٣: ٤٦).
(٢) في الأصل: يعمر، وهو تصحيف.
(٣) زيادة من ابن هشام والطبري.
(٤) ذكر ابن إسحاق وابن سعد هذا العدد، ونقله كذلك ابن سيد الناس وصاحب المواهب وابن كثير، وذكره الديار بكري وزاد قوله: وقيل كان المسلمون ألفًا. وقال ابن كثير في الفصول: ٥٨ " فتحصن بالخندق وهو في ثلاثة آلاف على الصحيح، وزعم ابن إسحاق أنه كان في سبعمائة وهذا غلط ". والذي ذكره ابن إسحاق أنهم كانوا في ثلاثة آلاف، ولم يرو غيره، ولم يشر أحد إلى أن المسلمين كانوا تسعمائة، حسب الرواية الثانية التي ارتضاها ابن حزم ورفض ما عداها.
[ ١٨٧ ]
وبعث رسول الله ﷺ إذ بلغه الأمر سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وهما سيد الأوس والخزرج، وخوات بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وعبد الله بن رواحة أخا بني الحارث بن الخزرج، ليعرفوا الأمر، فلما بلغوا بني قريظة وجدوهم مكاشفين بالغدر، ونالوا من رسول الله ﷺ، فشاتمهم سعد بن معاذ، وانصرفوا.
وكان رسول الله ﷺ قد أمرهم إن وجدوا غدر بني قريظة حقًا أن يعرضوا له الخبر ولا يصرحوا، فأتوا فقالوا: عضل والقارة؛ تذكيرًا بغدر القارة بأصحاب الرجيع. فعظم الأمر، وأحيط بالمسلمين من كل جهة؛ واستأذن بعض بني حارثة فقالوا: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة وخارجة عن المدينة، فأذن لنا نرجع إلى ديارنا. وهم أيضًا بالفشل بنو سلمة، ثم ثبت الله كلتا الطائفتين، ورحم القبيلتين؛ وبقى المشركون محاصرين للمسلمين نحو شهر، ولم يكن بينهم حرب، إلى أن رسل رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن بن حذيفة، والحارث بن عوف ابن أبي حارثة، رئيسي غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، وجرت المراوضة في ذلك (^١)، ولم يتم الأمر، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فقالا: يا رسول الله، أشيء أمرك الله به فلا بد لنا منه أم شيء تحبه فنصنعه أم شيء تصنعه لنا قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على
_________________
(١) المراوضة: المساومة والمجاذبة، والمراوضة في البيع: أن تواصف الرجل بالسلعة ليست عندك، ويسمى بيع المواصفة.
[ ١٨٨ ]
الشرك بالله وعبادة الأوثان (^١)، وهم لا يطيقون (^٢) أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعًا، فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك [و] به نعطيهم أموالنا والله لا نعطيهم إلا السيف. فصوب رسول الله ﷺ رأيه، وتمادوا على حالهم.
ثم إن فوارس من قريش، منهم: عمرو بن عبد ود، أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب أخو بني محارب بن فهر، خرجوا على خيلهم، فلما وقفوا على الخندق، قالوا: هذه مكيدة والله ما كانت تعرفها العرب. وقد قيل: إن سلمان أشار به. ثم تيمموا مكانًا ضيقًا من الخندق، فاقتحموه وجاوزوه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى البراز، فبارز علي بن أبي طالب عمرًا فقتله، وخرج الباقون من حيث دخلوا، فعادوا إلى قومهم. وكان شعار المسلمين يوم الخندق: " حم، لا ينصرون ".
وكانت عائشة أم المؤمنين مع أم سعد بن معاذ في حصن بني حارثة، وكان من أحصن حصن بالمدينة. وكان صفية عمة رسول الله ﷺ في فارع، أطم حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت فيه مع النساء والصبيان.
ورمى في بعض تلك الأيام سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل،
_________________
(١) في الأصل: " قد كنا نحن بهؤلاء … في عبادة الأوثان " والتصويب من ابن هشام.
(٢) في ابن هشام: يطعمون.
[ ١٨٩ ]
ورماه حبان بن قيس ابن العرقة (^١)، وقد قيل: بل رماه أبو أسامة الجشمي (^٢) حليف بني مخزوم، وقيل: إن سعدًا دعا إذ أصيب رضوان الله عليه فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلى أن أجاهدهم (^٣) من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
ولما اشتدت الحال وصعب الأمر أتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف ابن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن حلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال له رسول الله ﷺ: إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم فأتى بني قريظة، وكان ينادمهم في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيننا وبينكم. قالوا: صدقت. فقال: إن قريشًا وغطفان ليسوا كذلك ولا مثلكم، إن رأوا ما يسرهم وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم؛ ولا طاقة لكم بمحمد إن تركتم معه، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنًا. فقالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم نهض إلى قريش، فقال لأبي سفيان: قد عرفتم
_________________
(١) العرقة، بكسر الراء وقد تفتح: هي أم حبان بن قيس، واسمها: قلابة، لقبت بالعرقة لطيب ريحها.
(٢) في الأصل: أبو سلمة الخشني. والتصحيح من كتب السير.
(٣) في الأصل: أجاهد.
[ ١٩٠ ]
صداقتي لكم، وبلغني أمر لزمني أن أعرفكموه، فاكتموا عني. قالوا: وما هو قال: اعلموا أن اليهود قد ندموا على ما فسخوا من عهد محمد، وقد أرسلوا إليه أن يأخذوا منكم رهنًا يدفعونه إلى محمد، ويرجعون معه عليكم. فشكرته قريش على ذلك. ثم نهض حتى أتى غطفن فقال لهم مثل ما قال لقريش. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة أربع أرسل أبو سفيان وغطفان إلى بني قريظة: إنا لسنا بدار مقام، فاغدوا للقتال. فأرسل اليهود إليهم: إن اليوم يوم سبت، ومع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا. فردوا إليهم الرسول: والله لا نعطيكم فاخرجوا معنا. فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم، فلما رجع الرسل إليهم بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم. فأبوا من القتال معهم، وأرسل الله تعالى عليهم ريحًا عظيمة كفأت قدورهم وآنيتهم.
وبعث رسول الله ﷺ إليهم حذيفة بن اليمان عينًا، فأتاه بخبر رحيلهم، ورحلت قريش وغطفان.
فلما أصبح رسول الله ﷺ وقد ذهب الأحزاب، رجع عن الخندق إلى المدينة، ووضع المسلمون سلاحهم، فأتاه جبريل عن الله تعالى بالنهوض إلى بني قريظة (^١)، وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم. ورأى قوم من المسلمين يومئذ جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة ديباج، ثم مر عليهم دحية بعد ذلك.
_________________
(١) راجع خبر غزوة بني قريظة في: الواقدي: ٣٧١، وابن هشام ٣: ٢٤٤، وابن سعد ٢/ ١: ٥٣، والطبري ٣: ٥٢، وأنساب الأشراف ١: ١٦٧ ن وابن سيد الناس ٢: ٦٨، وابن كثير ٤: ١١٦، وزاد المعاد ٢: ١٨٧، والإمتاع: ٢٤١، والمواهب ١: ١٤٩، وتاريخ الخميس ١: ٤٩٢، والبخاري ٥: ١١١.
[ ١٩١ ]
فأمر رسول الله ﷺ أن لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة. ونهض المسلمون، فوافاهم وقت العصر في الطريق، فقال بعضص المسلمين: نصلي، ولم نؤمر بتأخيرها عن وقتها. وقال آخرون: لا نصليها إلا حيث أمرنا رسول الله ﷺ أن نصليها. فذكر أن بعضهم لم يصلوا العصر إلا ليلًا؛ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلم يعنف من الطائفين أحدًا.
أما التعنيف فإنما يقع على العاصي المتعمد المعصية وهو يعلم أنها معصية؛ وأما من تأويل قصدًا للخير، فهو وإن لم يصادف الحق غير معنف؛ وعلم الله تعالى أننا لو كنا هناك ما صلينا العصر في ذلك اليوم إلا في بني قريظة ولو بعد أيام (^١)؛ ولا فرق بين نقله ﷺ صلاةً في ذلك اليوم إلى موضع بني قريظة، وبين نقله صلاة المغرب ليلة مزدلفة، وصلاة العصر من يوم عرفة على قوت الظهر، والطاعة في ذلك واجبة.
رجع الخبر: فأعطى رسول الله ﷺ الراية عليّ بن أبي طالب ﵁، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ونازل رسول الله ﷺ حصونهم، فأسمعوا المسلمين سب رسول الله ﷺ، فلقي على رسول الله ﷺ، فعرض له بأن لا يدنو منهم من أجل ما سمع. فقال له رسول الله ﷺ: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا. فلما رأوا النبي صلى الله
_________________
(١) نقل ابن كثير في البداية والنهاية ٤: ١١٨ قول ابن حزم هذا، ثم قال فقي التعليق عليه: " وهذا القول منه ماش على قاعدته الأصلية في الأخذ بالظاهر ". وقال السبيل ٢: ١٩٥ " إن فهم هذا الأصل عسر على الظاهرية، لأنهم علقوا الأحكام بالنصوص، فاستحال عندهم أن يكون النص يأتي بحظر وإباحة معًا ".
[ ١٩٢ ]
عليه وسلم أمسكوا عما كانوا يقولون. فنزل رسول الله ﷺ على بئر من آبارهم يقال لها " بئر أنا " (^١) وقيل " بئر أني "، وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين [ليلة] (^٢)، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال، وهي: إما الأسلام؛ وإما قتل ذراريهم ونسائهم ثم القتال حتى يموتوا؛ وإما تبيت النبي ﷺ ليلة السبت ظنا منه أن المسلمين قد أمنوا منهم. وأبوا كل ذلك، وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس فأرسله ﷺ إليهم، فلما أتاهم أجتمع إليه رجالهم والنساء والصبيان، فقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد قال: نعم. أشار إليهم أنه الذبح. ثم ندم أبو لبابة من وقته وعلم أنه قد أذنب، فانطلق على وجهه ولم يرجع إلى النبي ﷺ، فكتف نفسه إلى عمود من أعمدة المسجد، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله ﷿ عليّ. وعاهد الله تعالى أن لا يدخل أرض بني قريظة أبدًا، ولا يكون بأرض خان الله ورسوله فيها. وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: لو أتاني لا ستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقعه من مكانه حتى يتوب الله عليه. فنزلت التوبة على رسول الله ﷺ في أمر أبي لبابة، فتولى رسول الله ﷺ إطلاقه بيده، وقيل: إنه رضوان الله تعالى عليه أقام مرتبطًا بالجذع ست ليالٍ لا يحل إلا للصلاة. (^٣).
_________________
(١) بئر لنا: وزن هنا، أو حتى، أو بكسر النون المشددة.
(٢) زيادة موضحة.
(٣) في هامش النسخة: إلا لصلاة.
[ ١٩٣ ]
ونزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ، إذ حكم فيهم بحكم رسول الله ﷺ. وأسلم ليلة نزولهم ثعلبة وأسيد ابنا سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من هدل، من بني عم قريظة والنضير.
وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي، وكان قد أبى من الدخول معهم في نقض عهد رسول الله ﷺ، فنجا، ولم يعلم أين وقع.
فلما نزلت بنو قريظة على حكمه، ﷺ، قالت الأوس: يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا. فقال رسول الله ﷺ: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا: بلى. قال: فذاك إلى سعد بن معاذ. وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة في المسجد، تسكنها رفيدة الأسلمية وكانت امرأة صالحة تقوم على المرضى، وتداوي الجرحى ليعوده النبي صلى الله عليه وسلممن قريب. فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد ليؤتي به فيكم في بني قريظة، فأتى به على حمار، وقد وطئ له بوسادة أدم، وأحاط به قومه، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك. فقال لهم سعد: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض (^١) من معه إلى ديار بني عبد الأشهل، فنعى إليهم رجال بني قريظة، فلما أظل سعد على رسول الله ﷺ، قال للمسلمين: قوموا إلى سيدكم. فقام المسلمون، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن
_________________
(١) في الأصل: " يعني " وهو تصحيف.
[ ١٩٤ ]
الحكم فيهم لما حكمت قالوا: نعم. قال: وعلى من هاهنا في الناحيثة التي فيها رسول الله ﷺ، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالًا له فقال رسول الله ﷺ: نعم. قال سعد: إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبي الذراري والنساء. فقال له رسول الله ﷺ: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. (^١).
فأمر بهم رسول الله ﷺ إلى موضع سوق المدينة اليوم، فخندق بها خنادق، ثم أمر رسول الله ﷺ فضربت أعناقهم في تلك الخنادق. وقتل يومئذ حيي بن أحطب والد أم المؤمنين صفية، وكعب بن أسد، وكانوا من الستمائة إلى السبعمائة. وقتل من نسائهم امرأة واحدة، وهي بنابة (^٢) امرأة الحكم القرظي، التي طرحت الرحى على خلاد ابن سويد بن الصامت فقتلته، وأمر رسول الله ﷺ بقتل كل من أنبت، وترك من لم ينبت.
ووهب رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير باطا، فاستحياهم، منهم عبد الرحمن بن الزبير، أسلم وله صحبة.
ووهب أيضًا ﷺ رفاعة بن شمويل القرظي لأم المنذر سلمى (^٣) بنت قيس من بني النجار، وكانت قد صلت القبلتين، فأسلم رفاعة وله صحبة، وكان ممن لم ينبت (^٤).
_________________
(١) الأرقعة: جمع رقيع، وهو اسم للسماء، وقد جاءت مع العدد قبلها على التذكير، كأنه ذهب به إلى معنى السقف، وعنى سبع سموات، وكل سماء يقال لها: رقيع.
(٢) في الأصل: " نثاثة " والتصحيح عن الطبري ٣: ٥٩ والإمتاع.
(٣) في الأصل: " سلمة " وهو خطأ.
(٤) في ابن هشام: وكان رجلًا قد بلغ.
[ ١٩٥ ]
واستحيا عطية القرظي، وله صحبة.
وقسم رسول الله ﷺ أموال بني قريظة، فأسهم للفارس صلاصة أسهم، وللراجل سهمًا، وكان الخيل يومئذ في المسلمين ستةً وثلاثين فرسًا.
ووقع للنبي ﷺ من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة، إحدى (^١) نساء بني عمرو بن قريظة، فلم تزل في ملكه حتى مات ﷺ.
فكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة متصلًا بأول ذي الحجة في السنة الرابعة من الهجرة.
فلما تم أمر بني قريظة أجيبت دعوة الرجل الصالح: سعد بن معاذ رضول الله عليه، فانفجر عرقه فمات. وهو الذي اهتز عرش الرحمن لموته، يعني سرور حملة العرش بروحه، ﵁.