قال أبو محمد علي بن أحمد رحمه الله تعالى: لم يشهد عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة الثقفيان يوم حنين، ولا حصار الطائف، كانا بجرش، يتعلمان صنعة المجانيق والدبابات.
فسلك رسول الله ﷺ في طريقه من الجعرانة إلى الطائف على نخلة اليمانية، ثم على قرن، ثم على المليح، ثم على بحرة الرغاء من لية (^٢)، فابتنى بها ﷺ مسجدًا، فصلى فيه.
وذكر أن رجلًا من بني هذيل ببحرة الرغاء حين نزلها طالب بدم، فأقاده ﷺ.
وكان بالمكان المذكور حصن لمالك بن عوف النصري، فأمر النبي ﷺ بهدمه، فهدم.
_________________
(١) انظر الواقدي: ٤٢٢، وابن هشام ٤: ١٢١، وابن سعد ٢/ ١: ١١٤، والطبري ٣: ١٣٢، وابن سيد الناس ٢: ٢٠٠، وابن كثير ٤: ٣٤٥، وزاد المعاد ٢: ٤٦١، والإمتاع: ٤١٥، والمواهب ١: ٢١٤، وتاريخ الخميس ٢: ١٠٩، والبخاري ٥: ١٥٦.
(٢) كل هذه الأمكنة من نواحي الطائف. فأما " قرن " بفتح الراء أو تسكينها: فإنها مخلاف من مخاليف الطائف، و" مليح ": واد هنالك. و" لية ": من نواحيها. و" بحرة ": قريبة منها، و" البحرة " بضم الباء وفتحها، لغة: منبت الثمام.
[ ٢٤٢ ]
ثم سلك الطريق من بحرة الرغاء، فسأل عن اسمها، فقيل له: الضيقة، فقال: بل هي اليسرى، ثم نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة، بقرب مال رجل من ثقيف، فتمنع الرجل منه (^١) في أطمه، فأمر النبي ﷺ بهدم ماله، فهدم وأخرب.
ثم نزل بقرب الطائف، فتحصنت منه ثقيف، وحاربهم المسلمون، فأصيب من المسلمين رجال بالنبل، فزال عن ذلك المنزل إلى موضع المسجد المشهور اليوم، وكان واديًا يقال له: العقيق، فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة، ويقال: بل بضع عشرة ليلة، وهو صحيح بلا شك. وكان معه امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة.
فموضع المسجد اليوم بين منزلهما، في موضع مصلاه ﷺ. وتولى بنيان ذلك المسجد عمرو بن أمية بن وهب بن مالك الثقفي.
ورماهم ﷺ بالمنجنيق، ثم دخل نفر من المسلمين تحت دبابة ودنوا من سور الطائف، فصب عليهم أهل الطائف سكك الحديد المحماة، ورموا بالنبل، فأصابوا منهم قومًا.
وأمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب أهل الطائف، واسترحمه ابن مسعود في ماله، وكان بعيدًا عن الطائف، فكف عن قطعه.
ثم إن رسول الله ﷺ رحل عن الطائف، وحينئذ نزل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ وهو مسلم، وعبيد من أهل الطائف؛ قيل: إن الأزرق، والد نافع بن الأزرق صاحب الأزارقة، منهم.
واستشهد على الطائف:
_________________
(١) في الأصل: من.
[ ٢٤٣ ]
سعيد بن سعيد بن العاصي بن أمية.
وعرفطة بن جناب (^١)، حليف لبني أمية من الأزد.
وعبد الله بن أبي بكر الصديق، أصابه سهم، فاستمر منه مريضا حتى مات منه بعد رسول الله ﷺ في خلافة أبيه.
وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، أخو أم سلمة، أم المؤمنين.
وعبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي (^٢)، حليف بني عدب بن كعب.
والسائب بن الحارث بن قيس بن عدي.
وأخوه: عبد الله بن الحارث، السهميان.
وجليجة بن عبد الله، من بني سعد بن ليث.
وثابت بن الجذع، من بني سلمة من الأنصار.
والحارث بن سهل بن أبي صعصعة، من بني مازن بن النجار.
والمنذر بن عبد الله، من بني ساعدة.
ومن الأوس:
رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية.
وكان بجير بن زهير بن أبي سلمى، الشاعر ابن الشاعر، حسن الإسلام، ممن شهد حنينًا والطائف.
ثم انصرف رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة، وأتاه هناك وفد هوازن مسلمين راغبين، فحيرهم رسول الله ﷺ بين عيالهم وأبنائهم وبين أموالهم، فاختاروا عيالهم وأبناءهم، فأمر
_________________
(١) ابن جناب: كذلك سماه ابن إسحق. قال ابن هشام ٤: ١٩٢ " ويقال: ابن حباب ".
(٢) في الأصل: " العرني "، وهو خطأ، وصوابه من الإصابة.
[ ٢٤٤ ]
رسول الله ﷺ أن يكلموا المسلمين في ذلك، ففعلوان فقال ﷺ: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. وقال المهاجرون والأنصار: أما ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ. وامتنع الأقرع بن حابس وعيينه بن حصن عن أن يردا عليهم ما وقع لهما (^١) من الفئ، وساعدهما قومهما. وامتنع العباس بن مرداس السلمي، فطمع أن يساعده قومه بنو سليم، فأبوا: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ. فرد عليهم ﷺ نساءهم وأبناءهم، وعوض من لم تطب نفسه بترك نصيبه أعواضًا رضوا بها.
وكان عدد سبي هوازن ستة آلاف إنسان، منهم الشيماء أخت النبي ﷺ من الرضاعة، وهي بنت الحارث بن عبد العزى، من بني سعد بن بكر بن هوازن، فأكرمها رسول الله ﷺ، وأعطاها وأحسن إليها، ورجعت إلى بلادها مختارة لذلك.
وقسم رسول الله ﷺ الأموال بين المسلمين، ثم أعطى من نصيبه من الخمس (^٢) المؤلفة قلوبهم (^٣)؛ وهم: أبو سفيان بن حرب ابن أمية، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، والحارث بن الحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار، وقد قال بعضهم: الحارث بن الحارث هذا من مهاجرة الحبشة، فإن صح ذلك فقد أعاذه الله تعالى من أن يكون من المؤلفة قلوبهم الذين أعطوا في هذه السبيل، وهو
_________________
(١) في الأصل: لهم.
(٢) في الأصل: خمس الخمس.
(٣) انظر الخبر عن أموال هوازن وعطايا قلوبهم في: ابن هشام ٤: ١٣٠، وابن سعد ٢/ ١: ١١٠، والطبري ٣: ١٣٤، وابن سيد الناس ٢: ١٩٣، وابن كثير ٤: ٣٥٢، والإمتاع: ٤٢٣، والمواهب ١: ٢١٦، وتاريخ الخميس ٢: ١١٢.
[ ٢٤٥ ]
أخو النضر بن الحارث الذي ضرب رسول الله ﷺ عنقه صبرًا يوم بدر -، والحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى بن أبي قيس، والعلاء بن جارية الثقفي، حليف بن زهرة، وصفوان بن أمية الجمحي، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، والأقرع بن حابس التميمي؛ أعطى كل واحد من هؤلاء مائة بعير. وأعطي عباس بن مرداس السلمي أقل من ذلك، فقال شعرًا يخاطب به رسول الله ﷺ، فأتم له المائة. ومالك بن عوف النصري، وقد كان فر عن الطائف ولحق بالنبي ﷺ. فهؤلاء أصحاب المئين.
وأعطى ﷺ يومئذ عدي بن قيس بن حذافة السهمي خمسين من الإبل؛ وسعيد بن يربوع [بن] عنكثة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل؛ ولمخرمة بن نوفل الزهري، وعمرو بن وهب الجمحي، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب أخي بني عامر ابن لؤي بأقل من مائة لكل واحد منهم.
وممن أعطى رسول الله ﷺ عددًا دون ذلك: طليق بن سفيان بن أمية بن عبد شمس، وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ابن عبد شمس، وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى وكان يذكر عن نفسه أنه أراد الفتك برسول الله ﷺ يوم حنين، فتغشاه أمر لا يقدر على وصفه، قال: فعلمت أنه ممنوع من عند الله -، وأبو النسابل بن بعكك بن حارثة بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وزهير بن أبي
[ ٢٤٦ ]
أمية بن المغيرة، أخو أم سلمة أم المؤمنين، وخالد بن هشام بن المغيرة المخزومي، وهشام بن الوليد، أخو خالد بن الوليد، وسفيان بن عبد الأسد ابن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والسائب بن ابي السائب بن عابد (^١) بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، أخو بني عديب بن كعب، وابو جهم بن حذيفة بن غانم العدوي، وأحيحة بن أمية الجمحي، ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل، من بني بكر بن عبد مناة ابن كنانة، وعلقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصة، وخالد بن هوذة بن خالد - الملقب بالحلس - ابن ربيعة بن عمرو، فارس الضحياء (^٢)، بن عامر بن ربيعة ابن عامر بن صعصة، وأخوه: حرملة بن هوذة.
فكان لشباب الأنصار في ذلك كلام لم يرض بن أشياخهم ولا خيارهم، فذكرهم رسول الله ﷺ بنعمة الله تعالى عليهم بالإسلام، وبه ﵊، وأنه إنما أعطى قومًا حديثي عهد بالإسلام وبمصيبة، يتألفهم على الإسلام، فرضوا، رضوان الله عليهم (^٣).
وذكر لرسول الله ﷺ جعيل بن سراقة الضمري، وأنه لم يعطه شيئًا، فأخبر أنه خير من طلاع الأرض مثل عيينة (^٤)،
_________________
(١) في الأصل: عائذ، انظر التعليق رقم: ٥ ص: ٣١.
(٢) قال ابن الأعرابي: ٧٤ إن فارس الضحياء هو عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واستشهد بقول خداش بن زهير " أبي فارس الضحياء: عمرو بن عامر ".
(٣) في البخاري ٥: ١٥٩: " إن قريشًا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم ".
(٤) طلاع الأرض: ملؤها، أو ما يملؤها حتى يطلع عنها.
[ ٢٤٧ ]
تألف عيينة، ووكل جعيل بن سراقة إلى إسلامه.
وكان هذا القسم بالجعرانية؛ ثم اعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانية إلى مكة، ثم رجع إلى المدينة فدخلها لست بقين لذي القعدة.
وكانت قصة الطائف في ذي القعدة من السنة الثامنة من الهجرة.
وكانت مدة غيبة رسول الله ﷺ مذ خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها وأوقع بهوازن وحارب الطائف إلى أن رجع إلى المدينة -: شهرين وستة عشر يومًا.
واستعمل ﷺ مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع النصرى، وهو الذي كان رئيس الكفار يوم حنين، على من أسلم من قومه، ومن سلمة، وفهم، وثمالة. وأمره ﷺ بمغاورة ثقيف ففعل، وضيق عليهم، وحسن إسلامه وإسلام من معه وإسلام جميع المؤلفة قلوبهم، حاشا عيينة بن حصن فلم يزل مغموزًا.
وكان المؤلفة قلوبهم - مع حسن إسلامهم - متفاضلين في الإسلام، منهم الفاضل المجتهد: كالحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام؛ وفيهم خيار دون هؤلاء: كصفوان بن أمية، وعمرو بن وهب، ومطيع ابن الأسود، ومعاوية بن ابي سفيان؛ وسائرهم لا نظن بهم إلا الخير.
وكان ممن أسلم، يوم الفتح وبعده، من الأشراف (^١) نظراء من ذكرنا، ووثق رسول الله ﷺ بصحة إيمانهم، وقوة نياتهم في الإسلام لله تعالى، فلم يدخلهم مدخل من أعطاه -: عكرمة بن ابي جهل، وعتاب بن أسيد بن ابي أمية، وجبير بن مطعم.
_________________
(١) في الأصل: الأعراب.
[ ٢٤٨ ]
واستعمل رسول الله ﷺ على مكة عتاب بن أسيد؛ وهو شاب، ابن نيف وعشرين سنة، وكان في غاية الورع والزهد، فأقام الحج بالمسلمين تلك السنة. وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام، وحج المشركون على مشاعرهم.
وأتى كعب بن زهير بن أبي سلمى تائبًا مادحًا لرسول الله ﷺ، وكان قبل ذلك يهجو رسول الله ﷺ، فقبل ﷺ إسلامه ومدحه، وأثابه.