فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة مرجعه من الحديبية، ذا الحجة وبعض المحرم، ثم خرج في بقية من المحرم غازيًا إلى خيبر، وذلك قرب آخر السنة السادسة من الهجرة (^٣).
واستخلف رسول الله ﷺ نميلة بن عبد الله الليثي،
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) انظر: الواقدي: ٣٨٩، وابن هشام ٣: ٣٤٢، وابن سعد ٢/ ١: ٧٧، والطبري ٣: ٩١، وأنساب الأشراف ١: ١٦٩، وفتوح البلدان: ٢٩، وابن سيد الناس ٢: ١٣٠، وابن كثير ٤: ١٨١، وزاد المعاد ٢: ٣٢٤، والإمتاع: ٣٠٩، والمواهب ١: ١٧٣، وتاريخ الخميس ٢: ٤٢، والبخاري ٥: ١٣٠.
(٣) نظر الإشارة إلى رأي ابن حزم في الامتاع: ٣١٠ فيما يتعلق بتاريخ غزوة خيبر؛ والجمهور على أن هذه الغزوة كانت سنة سبع. وقال ابن كثير في كتاب الفصول: ٧٤، أما ابن حزم فعنه أنها في سنة ست بلا شك، وذلك بناء على اصطلاحه، فهو يرى أن أول السنين الهجرية شهر ربيع الأول الذي قدم فيه رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرًا، ولكن لم يتابع عليه، إذ الجمهور على أن أول التاريخ من محرم تلك السنة.
[ ٢١١ ]
ودفع الراية إلى علي بن أبي طالبن وقيل: إنها كانت بيضاء. وسلك على عصر (^١)، فبنى له بها مسجد (^٢)، ثم على الصهباء، ثم نزل بواد يقال له: الرجيع، فنزل بينهم وبين غطفان لئلا يمدوهم وكانت غطفان قد أرادت إمداد يهود خيبر فلما خرجوا أسمعهم الله تعالى من ورائهم حسًا راعهم، فانصرفوا، وبدا لهم فأقاموا في أماكنهم. وجعل رسول الله ﷺ يفتتح الآطام والحصون والأموال مالًا مالا. فأول حصونهم افتتح حصن اسمه: ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلمة، ألقيت عليه رحى فقتلته؛ ثم القموص، حصن بني أبي الحقيق. وأصاب رسول الله ﷺ منهم سبايا، منهن (^٣): صفية بنت حيي بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وبنتي (^٤) عم لها، فوهب ﵇ صفية لدحية، ثم ابتاعها منه بتسعة أرؤس، وجعلها عند أم سليم، حتى اعتدت وأسلمت، ثم أعتقها رسول الله ﷺ وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، لا صداق لها غيره، فصارت سنة مستحبة لكل من أراد أن يفعل ذلك إلى يوم القيامة.
وفي غزوة خيبر حرم رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهلية، وأخبر أنها رجس، وأمر بالقدور فألقيت وهي تفور بلحومها، وأمر بغسل
_________________
(١) عصر: بالكسر ثم السكون، ويروى بفتحتين، والأول أشهر وأكثر، واختاره ياقوت: جبل بين المدينة ووادي الفرع.
(٢) في الأصل: " بنى " مكان " فبنى ".
(٣) في الأصل: منهم.
(٤) في الأصل: بنى؛ وقد وردت كلمة " بنتي " في أكثر كتب السير منصوبة على تقدير فعل محذوف أي: وأصاب بنتي عم لها؛ وفي ابن سعد ٨: ٨٦ والإمتاع: ٣٢١: سبى سفية وبنت عم لها.
[ ٢١٢ ]
القدور بعد، وأحل حينئذ لحوم الخيل وأطعمهم إياها.
ثم فتح حصن الصعب بن معاذ، ولم يكن بخيبر حصن أكثر طعامًا من، ولا أوفر ودكًا منه (^١). وآخر ما افتتح ﵇ من حصونهم: الوطيح والسلالم، حاصرهما بضع عشرة ليلة. وكان شعار المسلمين يوم خيبر أمت أمت.
ووقف إلى بعض حصونهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما، فلم يفتحاه، فدفع رسول الله ﷺ الراية إلى علي رضوان الله عليه، ففتحه، وكان أرمد، فتفل في عينيه، فبرئ.
وكان فتح خيبر: الأرض كلها وبعض الحصون عنوة وهي الأكثر [وبعضها] (^٢) صلحًا على الجلاء، فقسمها رسول الله ﷺ بعد أن عزل الخمس، وأقر اليهود على أن يعتملوها (^٣) بأموالهم وأنفسهم، ولهم النصف من كل ما يخرج منها من زرع أو ثمر، ويقرهم على ذلك ما بدا له. فبقوا على ذلك حتى مات رسول الله ﷺ، ومدة خلافة أبي بكر، وجمهور خلافة عمر؛ فلما كان في آخر خلافته، بلغه أن رسول الله ﷺ أمر في مرضه الذي مات فيه أن لا يبقى في جزيرة العرب دينان. فأمر بإجلائهم عن خيبر وغيرها من بلاد العرب، وأخذ المسلمون ضياعهم من مقاسم خيبر، فتصرفوا فيها. وكان
_________________
(١) الودك: دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه.
(٢) زيادة لابد منها لاطراد السياق ووضوحه.
(٣) في الأصل: يعملوها؛ جاء في اللسان (مادة عمل) " وفي حديث خيبر: دفع إليهم أرضهم على أن يعتملوها من أموالهم؛ الاعتمال: افتعال من العمل، أي أنهم يقومون بما يحتاج إليه من عمارة وزراعة وتلقيح وحراسة ونحو ذلك ".
[ ٢١٣ ]
متولي قسمتها بين أصحابها جبار بن صخر من بني سلمة، وزيد بن ثابت من بني النجار.
وفي فتح خيبر أهدت يهودية تسمى زينب بنت الحارث، امرأة سلام ابن مشكم، إلى رسول الله ﷺ شاة مصلية (^١)، قد جعلت فيها السم، وكان أحب اللحم إلى رسول الله ﷺ الذراع، فتناول رسول الله ﷺ، فلاك منها مضغة، وكان معه ﵇ بشر بن البراء بن معرور من بني سلمة، فأكل منه وازداد (^٢) لقمة، فقال ﵇: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ولفظ لقمةً، ثم دعا باليهودية فاعترفت، ومات بشر من أكلته تلك، رضوان الله عليه، ولم يقتل ﵇ اليهودية (^٣).
وكان المسلمون يوم خيبر ألفًا وأربعمائة رجل ومائتي فارس. ووقع سهم زبير بن العوام بالخوع (^٤) من النطاة؛ ووقع أيضًا بالنطاة سهم بني بياضة وبني الحارث بن الخزرج؛ ووقع بنو عوف بن الخزرج ومزينة في ناعم من النطاة، ووقع سهم عاصم بن عدي أخي بني عجلان مع سهم رسول الله ﷺ؛ وسهم عبد الرحمن بن عوف، وسهام بني ساعدة، وبني النجار، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وغفار، وأسلم، وعمر بن الخطاب، وبني سلمة، وبني حارثة، وجهينة، وثقيف من العرب -: في الشق.
_________________
(١) المصلية: المشوية.
(٢) في الأصل: ورد.
(٣) انظر في الإمتاع: ٣٢٢ اختلاف الأخبار في قتل اليهودية التي سمت الرسول.
(٤) في الأصل: بالجوع. والخوع: اسم موضع بنطاة.
[ ٢١٤ ]
وكان عبيد بن أوس من بني حارثة بن عوف، عرف يومئذ بعبيد السهام، لكثرة ما اشترى من سهام الناس يومئذ. واشترى عمر مائة سهم بخيبر، فهي صدقته الباقية إلى اليوم، وإلى يوم القيامة.