وفي غزوة بني لحيان قالت الأنصار: إن المدينة خالية منا، وقد بعدنا عنها، ولا نأمن عدونا يخالفنا إليها، فأخبرهم رسول الله ﷺ أن على كل نقب من أنقابها ملكا يحميها بأمر الله ﷿. ثم قفل حينئذ، فما هو إلا أن نزل المسلمون المدينة وبقوا ليالي، وأغار عليهم عيينة ابن حصن في بني عبد الله بن غطفان، فاكتسحوا لقاحا لرسول الله ﷺ، وفيها رجل من بني غفار وامرأة، فقتلوا الغفارى، وحملوا المرأة واللقاح.
وكان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، وكان ناهضا إلى الغابة (^٣)، فلما علا ثنية الوداع نظر إلى خيل الكفار، فصاح، فأنذر المسلمين، ثم نهض في آثارهم، فأبلى بلاء عظيما، ورماهم بالنبل حتى استنقذ
_________________
(١) في الأصل: شاية. أما ساية: فإنها قرية أو واد من أعمال المدينة به أكثر من سبعين عينا؛ وأما شابة، بالشين معجمة والباء: فهو جبل في ديار هذيل، وليس بمقصود هنا.
(٢) انظر: ابن هشام ٣: ٢٩٣، وابن سعد ٢/ ١: ٥٨، والطبري ٣: ٦٠، وأنساب الأشراف ١: ١٦٧، وابن سيد الناس ٢: ٨٤، وابن كثير ٤: ١٠٥، والإمتاع: ٢٥٧، والمواهب ١: ١٥٥، وتاريخ الخميس ٢: ٥، والبخاري ٥: ١٣٠.
(٣) الغابة: موضع قرب المدينة من ناحية الشام، فيه أموال لأهل المدينة.
[ ٢٠١ ]
ما كان بأيديهم. فلما وقعت الصيحة بالمدينة، فكان أول من أتى رسول الله ﷺ من الفرسان المقداد بن الأسود، ثم عباد بن بشر بن وقش من بني عبد الأشهل، وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل، وأسيد ابن ظهير أخو بني الحارثة، وعكاشة بن محصن الأسدي، ومحرز بن نضلة الأسدي الأخرم (^١)، وأبو قتادة الحارثة بن ربعي أخو بني سلمة، وأبو عياش بن زيد بن الصامت أخو بني زريق.
فلما اجتمعوا أمر رسول الله ﷺ عليهم سعد بن زيد، وقيل: إن رسول الله ﷺ أعطى فرس أبي عياش معاذ بن ماعص، أو عائذ بن ماعص، وكان أحكم للفروسية من أبي عياش. وأول من لحق بهم: فمحرز بن نضلة الأخرم، فقتل ﵁، وكان على فرس لمحمود بن مسلمة من بني عبد الأشهل، أخذه إذ كان صاحبه غائبًا، فلما قتل رجع الفرس إلى آريه (^٢) في بن عبد الأشهل؛ وقيل: قتله عبد الرحمن بن عيينة بن حصن، فركب فرسه، ثم قتل سلمة عبد الرحمن، واسترجع الفرس.
وكان اسم فرس المقداد: سبحة، وقيل: بعزجة (^٣)؛ وفرس معاذ بن وقش: لماع (^٤)؛ وفرس عكاشة بن محصن: ذو اللمة؛ وفرس سعد ابن زيد: لاحق؛ وفرس أبي قتادة: جروة (^٥)؛ وفرس أسيد بن
_________________
(١) الأخرم: لقب عرف به محرز بن فضلة.
(٢) الآرى: محبس الدابة.
(٣) انظر كتاب أسماء خيل العرب لابن الأعرابي (ص: ٥٣ - ٥٤) حيث أورد أسماء الخيل في يوم السرح، وهو اليوم الذي أغار فيه عيينة بن حصن على المدينة.
(٤) ذكر ابن الأعرابي: ٥٤ أن لماعًا اسم فرس لعباد بن بشر، ولم يزد على ذلك.
(٥) انظر المصدر السابق ص: ٥٤، وذكر ابن هشام ٣: ٢٩٦ أنه يسمى أيضًا حزمة أو حزورة.
[ ٢٠٢ ]
ظهير: مسنون؛ وفرس أبي عياش؛ جلوة، والفرس الذي ركب الأخرم: الجناح (^١).
وولى المشركون منهزمين، وبلغ رسول الله ﷺ ماء يقال له ذو القرد، ونحر ناقة من لقاحه المسترجعة، وأقام رسول الله ﷺ ليلة ويومًا، ثم رجع إلى المدينة.
وأقبلت امرأة الغفاري على ناقة رسول الله صلة الله عليه وسلم، فلما أتت المدينة نذرت أن تنحرها، فأخبرها رسول الله ﷺ أنه لا نذر في معصية، ولا لأحد فيما لا يملك، وأخذ ﵇ ناقته.