فأقام ﵇ بعد مؤتة جمادى ورجبًا. ثم حدث الأمر الذي أوجب نقض عهد قريش المعقود يوم الحديبية، وهو: أن خزاعة كانت في عقد رسول الله ﷺ: مؤمنها وكافرها، وكانت كفار بني بكر بن عبد مناة بن كنانة في عقد قريش، فعدت بنو بكر بن عبد بن كنانة في عقد قريش، فعدت بنو بكر بن عبد مناة على قوم من خزاعة، على ماء يقال له: الوتير، بأسفل مكة. وكان سبب ذلك: أن رجلًا يقال له: مالك بن عباد الحضرمي، حليفًا لآل الأسود بن رزن، خرج تاجرًا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، وذلك قبل الإسلام بمدة، فعدت بنو بكر بن عبد مناة، رهط الأسود بن رزن، على رجل من بني خزاعة، فقتلوه بمالك بن عباد. فعدت خزاعة على سلمى وكلثوم وذؤيب، بني الأسود ابن رزن، فقتلوهم، وهؤلاء الإخوة أشراف بني كنانة، كانوا يودون في الجاهلية ديتين، ويؤدي سائر قومهم دية دية، وكل هذه المقاتل قبل الإسلام؛ فلما جاء الإسلام حجز ما بين من ذكرنا، واشتغل الناس به،
_________________
(١) انظر خبر الفتح في: الواقدي: ٤٠٦، وابن هشام ٤: ٣١، وابن سعد ٢/ ١: ٩٦، والطبري ٣: ١١٠، وأنساب الأشراف ١: ١٧٠، وابن سيد الناس ٢: ١٦٣، وابن كثير ٤: ٢٧٨، وزاد المعاد ٢: ٣٨٤، والإمتاع: ٣٥٧، والمواهب ١: ١٩١، وتاريخ الخميس ٢: ٧٧، والبخاري ٥: ١٤٥.
[ ٢٢٣ ]
فلما كلنت الهدنة المنعقدة يوم الحديبية أمن الناس بعضهم بعضًا، فاغتنم بنو الديل من بني بكر بن عبد مناة تلك الفرصة، وغفلة خزاعة، وأرادوا إدراك ثأر بني الأسود بن رزن. فخرج نوفل بن معاوية الدبلى بمن أطاعه من بني بكر بن عبد مناة، وليس كلهم تابعه، جاء حتى بيت خزاعة، وهم على الوتير، فاقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وأعانهم قوم من قريش بأنفسهم مستخفين، وانهزمت خزاعة إلى الحرم.
فقال قوم نوفل بن معاوية: يا نوفل، الحرم، اتق الله إلهك. فقال الكافر: لا إله له اليوم، والله يا بني كنانة إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تدركون فيه ثأركم فقتلوا رجلًا من خزاعة يقال له: منبه، وانجحرت في دور مكة (^١)، فدخلوا دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ودار (^٢) مولى لهم اسمه رافع، وكان هذا نقضًا للعهد الواقع يوم الحديبية.
فخرج عمرو بن سالم الخزاعي ثم أحد بني كعب، وبديل بن ورقاء، وقوم من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله ﷺ مستغيثين مما أصابهم به بنو بكر بن عبد مناة وقريش، فأجابهم. وأنذرهم رسول الله ﷺ بأن أبا سفيان سيأتي ليشد العقد ويزيد في المدة، وأنه سيرجع بغير حاجة. وندمت قريش على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليشد العقد ويزيد في المدة، فلقى بديل بن ورقاء بعسفان، فكتمه بديل مسيره إلى النبي ﷺ، وأخبره [أنه] (^٣)
_________________
(١) في الأصل: " انحجزت "، وهو تصحيف. وانجحر: دخل الجحر أو المكمن لاجئًا مضطرًا. وفي ابن هشام ٤: ٣٣: " فلما دخلت خزاعة مكة لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء. " وفي الإمتاع: ٣٥٧ - ٣٥٨ " حتى أدخلوهم دار بديل بن ورقاء ".
(٢) في الأصل: وكان.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٢٢٤ ]
إنما سار خزاعة على الساحل؛ فنهض أبو سفيان حتى أتى المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، أم المؤمنين، فذهب ليقعد على فراش رسول الله ﷺ، فطوته دونه، فقال لها في ذلك. فقالت: هو من أثر رسول الله ﷺ، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس عليه. فقال: لقد أصابك بعدي شر يا بنية. ثم أتى النبي ﷺ في المسجد، فكلمه، فلم يجبه بكلمة. ثم ذهب أبو سفيان إلى أبي بكر الصديق، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ فيما أتى له، فأبى أبو بكر من ذلك، فلقي عمر فكلمه في ذلك، فقال عمر: أنا أفعل ذلك والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. فدخل على علي بيته، فوجد عنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ، والحسن وهو صبي، فكلمه فيما أتى له، فقال له علي: والله ما نستطيع أن نكلم رسول الله ﷺ في أمر قد عزم عليه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فقالت: ما بلغ بني ذلك، وما يجير أحد على رسول الله ﷺ. فقال علي: يا أبا سفيان، أنت سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم ألحق بأرضك. فقال: أترى ذلك مغنيًا عني شيئًا قال: ما أظن ذلك، ولكن لا أجد لك سواه. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس. ثم ركب فانطلق راجعًا إلى مكة حتى قدمها، وأخبر قريشًا بما فعل وبما لقي، فقالوا له: ما جئت بشيء، وما زاد علي بن أبي طالب على أن لعب بك.
ثم أعلم رسول الله ﷺ أنه سائر إلى مكة، فأمرهم
[ ٢٢٥ ]
بالتجهز لذلك، ودعا الله تعالى أن يأخذ عن قريش بالأخبار (^١). فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابًا يخبرهم فيه بقصد رسول الله ﷺ. فأتى الخبر بذلك إلى رسول الله ﷺ من عند الله تعالى، فدعا علي بن أبي طالب والزبير والمقداد، وهم فرسان، فقال لهم: انطلقوا إلى روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب لقريش. فانطلقوا، فلما أتوا المكان الذي وصف لهم رسول الله ﷺ، وجدوا المرأى فأناخوا بها، ففتشوا رحلها كله فلم يجدوا شيئًا، فقالوا: والله ما كذب رسول الله ﷺ. فقال علي: والله لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب. فحلت قرون رأسها، فأخرجت الكتاب منها؛ فأتوا به النبي ﷺ، فلما قرئ عليه قال: ما هذا يا حاطب فقال حاطب: يا رسول الله، والله ما شككت في الإسلام، ولكني ملصق في قريش، فأردت أن أتخذ عندهم يدًا يحفظونني بها في شأفتي (^٢) بمكة وولدي وأهلي. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ: وما يدريك يا عمر، لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
وخرج رسول الله ﷺ في عشرة آلاف، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري، وذلك لعشر خلون من رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، بين عسفان وأمج، فأفطر بعد صلاة
_________________
(١) نص الحديث: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها.
(٢) في الأصل: ساقتي، وهو تصحيف. وشأفة الرجل: أهله وماله.
[ ٢٢٦ ]
العصر، وشرب على راحلته علانية ليراه الناس، وأمر بالفطر، فبلغه ﷺ أ، قوما تمادوا على الصيام فقال: أولئك العصاة. فكان هذا نسخا لما تقدم من إباحة الصيام في السفر. ولم يسافر ﷺ بعدها في رمضان أصلا، فهذا الحكم في السفر ناسخ لما قبله، ولم يأت بعد شيء ينسخه، ولا حكم يرفعه.
فلما نزل مر الظهران، ومعه من بني سليم ألف رجل، ومن مزينة ألف رجل وثلاثة (^١) رجال، وقيل: من بني سليم سبعمائة، ومن غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، وطوائف من قيس وأسد وتميم وغيرهم، ومن سائر القبائل أيضًا جموع.
وقد أخفى الله تعالى عن قريش الخبر لدعوة رسول الله ﷺ، إلا أنهم وجسون خائفون؛ وقد خرج أبو سفيان، وبديل بن ورقاء، وحكم بن حزام، يتجسسون الأخبار.
وقد كان العباس بن عبد المطلب هاجر في تلك الأيام، فلقى رسول الله ﷺ بذي الحليفة، فبعث ثقله إلى المدينة، وانصرف مع رسول الله ﷺ غازيا. فالعباس من المهاجرين من قبل الفتح، وقيل: بل لقيه بالجحفة.
وذكر أيضًا أن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، أخا أم سلمة أم المؤمنين، لقياه بنيق العقاب مهاجرين؛ فاستأذنا رسول الله ﷺ، فلم يأذن لهما، فكلمته أم سلمة فأذن لهما، فأسلما.
_________________
(١) في الأصل: وثلاث.
[ ٢٢٧ ]
فلما نزلوا بمر بمر الظهران أسفت نفس العباس على ذهاب قريش، إن فجئهم الجيش قبل أن يأخذوا (^١) لأنفسهم فيستأمنوا (^٢)، فركب بغلة النبي ﷺ ونهض، فلما أتى الأراك وهو يطمع أن يرى حطابًا أو صاحب لبن يأتي مكة فينذرهم؛ فبينما هو يمشي كذلك، إذ سمع صوت أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتساءلان، وقد رأيا نيران عسكر النبي ﷺ، وبديل يقول لأبي سفيان: هذه والله نيران خزاعة. فيقول له أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون لها هذه النيران. فلما سمع العباس كلامه ناداه: يا أبا حنظلة. فميز أبو سفيان صوته، فقال: أبو الفضل قال: نعم. فقال له أبو سفيان: ما الشأن فداك أبي وأمي. فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله ﷺ في الناس، وإصباح قريش! فقال له أبو سفيان: وما الحيلة فقال له العباس: والله إن ظفر بك ليقتلنك، فارتدف خلفي وانهض معي إلى رسول الله ﷺ. فأردفه العباس، فأتى به العسكر، فلما مر على نار عمر، نظر عمر إلى أبي سفيان فميزه، فقال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد رسول الله ﷺ، وسابقه العباس، فسبقه العباس على البغلة، وكان عمر بطيئًا في الجري، فدخل العباس ودخل عمر على أثره، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بلا عقد، فأذن لي أضرب عنقه. فقال العباس: يا رسول الله، قد أجرته. فراده عمر الكلام، فقال العباس: مهلًا يا عمر، فلو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا،
_________________
(١) في الأصل: يأخذا.
(٢) في الأصل: " فيستامنون ".
[ ٢٢٨ ]
ولكنه من بني عبد مناف. فقال عمر: مهلًا، فوالله لإسلامك، يوم أسلمت (^١)، كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب. فأمر رسول الله ﷺ أن يحمله إلى رحله، ويأتيه به صباحًا، ففعل العباس ذلك. فلما أتى به النبي ﷺ قال (^٢) له رسول الله ﷺ: ألم يأن لك ألم تعلم أنه لا إله إلا الله فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أنه لو كان معه إله غيره لقد أغنى. ثم قال له رسول الله ﷺ: ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك ألم تعلم أني رسول الله فقال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأصولك! أما هذه (^٣) والله فإن في نفسي منها شيئًا حتى الآن. فقال له العباس: ويحك، أسلم قبل أن تضرب عنقك. فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئًا. فقال له رسول الله ﷺ: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.
وهذا القول من رسول الله ﷺ لكل من كان لا يقاتل من أهل مكة، بنص جلي لا إشكال فيه، فمكة مؤمنة بلا شك، ومن ثم لم تؤخذ عنوة بوجه من الوجه، ولم أمن مسلم من أي من المسلمين
_________________
(١) في الأصل: لكان.
(٢) في الأصل: فقال.
(٣) في الأصل: أما والله هذه
[ ٢٢٩ ]
قرية من دار الحرب على أن يغلقوا أبوابهم ولا يقاتلوا، على ما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة، لكان أمانًا صحيحًا، وللزم ذلك كل مسلم، ولحرمت دماؤهم وموالهم وديارهم، وللزمهم الإسلام أو الجلاء، إلا أن يكونوا كتابيين، فيباح لهم القرار، على الجزية والصغار، فكيف أمان رسول الله ﷺ! فمن قال: إن مكة صلح على هذا المعنى، فقد صدق؛ ومن قال: إنها صلح على أنهم دافعوا وامتنعوا حتى صالحوا، فقد أخطأ؛ وأما من قال: عنوة، فقد أخطأ على كل حال.
والصحيح اليقين: أنها مؤمنة على دمائهم وذراريهم وأموالهم ونسائهم، إلا من قاتل أو استثني فقط.
ثم أمر رسول الله ﷺ العباس أن يوقف أبا سفيان بخطم الجبل أو الوادي (^١) ليرى جيوش الله تعالى. ففعل ذلك العباس، وعرض عليه القبائل، قبيلةً قبيلة، إلى أن جاء موكب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، رضوان الله عليهم، خاصةً، كلهم في الدروع والبيض. فقال أبو سفيان: من هؤلاء قال: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، فقال: والله ما لأحد بهؤلاء من قبل، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا. فقال العباس: إنه النبوة يا أبا سفيان. قال: فهذا إذن. فقال العباس: يا أبا سفيان، النجاء إلى قومك. فأسرع أبو سفيان، فلما أتى مكة عرفهم بما أحاط بهم، وأخبرهم بتأمين رسول الله ﷺ كل من دخل داره، أو المسجد، أو دار أبي سفيان.
_________________
(١) أصل الخطم من كل طائر: منقاره، ومن الدابة: مقدم أنفها، وخطم الجبل: أنفه.
[ ٢٣٠ ]
وتأبش (^١) قوم ليقاتلوا، فبلغ رسول الله ﷺ وقد رتب الجيش.
وكان قد جعل الراية بيد سعد بن عبادة، ثم بلغه أنه قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فأمر رسول الله ﷺ أن يدفع الراية إلى الزبير بن العوام، وقيل: إلى علي بن أبي طالب، وقيل: إلى قيس بن سعد بن عبادة، وكان الزبير على الميسرة، وخالد بن الوليد على الميمنة، وفيها أسلم وغفار ومزينة وجهينة، وكان أبو عبيدة بن الجراح على مقدمة موكب النبي ﷺ، وسرب رسول الله ﷺ الجيوش من ذي طوى، وأمر الزبير بالدخول، من ذي كداء (^٢)، في أعلى مكة، وأمر خالدًا بالدخول من الليط، أسفل مكة، وأمرهم بقتال من قاتلهم.
وكان عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، قد جمعوا جمعًا بالخندمة ليقاتلوا، فناوشهم أصحاب خالد القتال. وأصيب من المسلمين رجلان، وهما: كرز بن جابر، من بني محارب بن فهر، وخنيس بن خالد ابن ربيعة بن أصرم الخزاعي، حليف بن منقذ، شذا عن جيش خالد فقتلا. وأصيب أيضًا من المسلمين سلمة بن الميلاء الجهني. وقتل من المشركين نحو ثلاثة عشر رجلًا، ثم انهزموا.
وكان شعار المسلمين يوم الفتح وحنين والطائف: فشعار الأوس: يا بني
_________________
(١) في الأصل: تأبس؛ وتأبش القوم: تجيشوا وتجمعوا.
(٢) قال ابن حزم: كداء - المدودة - بأعلى مكة عند المحصب. وكدي، بضم الكاف وتنوين الدال، بأسفل مكة عند ذي طوى. وكدي، مصغرًا، لمن خرج من مكة إلى اليمن - (انظر ياقوت - نقلا عن ابن حزم).
[ ٢٣١ ]
عبيد الله؛ وشعار الخزرج: يا بني عبد الله؛ وشعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن.
وأمن النبي ﷺ الناس كما ذكرنا، حاشا عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعكرمة بن أبي جهل، والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد [بن] قصي (^١)، ومقيس بن صبابة، وقينتي ابن خطل، وهما: فرتنا وصاحبتها، وسارة مولاة لبني عبد المطلب.
فأما ابن خطل وهو من بني تيم الأدرم بن غالب، كان قد أسلم وبعثه ﷺ مصدقًا، وبعث معه رجلًا من المسلمين، فعدا عليه وقتله ولحق بالمشركين فوجد يوم الفتح وقد تعلق بأستار الكعبة، فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي.
وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فكان يكتب لرسول الله ﷺ، ثم لحق بمكة فاختفى، وأتى به عثمان بن عفان رسول الله ﷺ، وكان أخاه من الرضاعة، فاستأمن له رسول الله ﷺ؛ فسكت ﵇ ساعةً، ثم آمنه وبايعه. فلما خرج قال رسول الله ﷺ لأصحابه: هلا قام إليه بعضكم فضرب عنقه فقال رجل من الأنصار: هلا أومأت إلينا فقال: ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين. فعاش حتى استعمله عمر، ثم ولاه عثمان مصر. وهو الذي غزا إفريقية، ولم يظهر منه بعد إسلامه إلا خير وصلاح ودين.
وأما عكرمة بن أبي جهل ففر إلى اليمن، فاتبعته امرأته أم حكيم
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
[ ٢٣٢ ]
بنت الحارث بن هشام، فردته، فأسلم، وحسن إسلامه.
وأما الحويرث بن نقيذ، وكان يؤذي رسول الله ﷺ بمكة، فقتله علي بن أبي طالب يوم الفتح.
وأما مقيس بن صبابة، فكان قد أتى النبي ﷺ مسلمًا، ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله لقتله أخاه خطأ، فقتله يوم الفتح نميلة ابن عبد الله الليثي، وهو ابن عمه.
وأما قينتا ابن خطل، فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى، فأمنها رسول الله ﷺ، فعاشت إلى أن ماتت بعد ذلك بمدة، وكانتا تغنيان بهجو رسول الله ﷺ.
وأما سارة، فاستؤمن لها أيضًا، فأمنها رسول الله ﷺ، فعاشت إلى أن أوطأها رجل فرسًا بالأبطح فماتت.
واستتر رجلًا من بني مخزوم عن أم هانئ بنت أبي طالب، فأمنها، فأمضى رسول الله ﷺ أمانها لهما، وكان علي رضوان الله عليه قد أراد قتلهما، وقيل: إنهما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية أخو أم سلمة، فأسلما، وكانا من خيار المسلمين.
وطاف رسول الله ﷺ بالكعبة، ودعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة بعد أن مانعت أم عثمان دونه، ثم أسلمته. فدخل ﷺ الكعبة، ومعه أسامة بن زيد، وبلال، وعثمان ابن طلخة، ولا أحد معهم، وأغلقوا الأبواب، وتموا (^١) حينًا، وصلى ﷺ في داخلها، ثم خرج وخرجوا، ورد المفتاح إلى عثمان بن طلحة،
_________________
(١) تموا: لعله أراد بقوا. ولا ندري هل تصح في اللغة. وفي الامتاع: ٣٨٥ " فكوشفوا ".
[ ٢٣٣ ]
وأبقى له حجابة البيت، فهي في ولده إلى اليوم، في ولد شيبة بن عثمان ابن طلحة.
وأمر رسول الله ﷺ بكسر الصور التي داخل الكعبة وخارجها، وتكسير الأصنام التي حول الكعبة وبمكة. وأذن له بلال على ظهر الكعبة.
وخطب رسول الله ﷺ ثاني يوم الفتح، فأخبر أنه قد وضع مآثر الجاهلية حاشا سدانة البيت، وسقاية الحاج. وأخبر أن مكة لم يحل القتال فيها لأحد قبله، ولا لأحد بعده، وأنها لم تحل لأحد غيره، ولم تحل له إلا ساعة من نهار، ثم عادت كحرمتها بالأمس، لا يسفك فيها دم.
ومر رسول الله ﷺ بالأصنام وهي مشدود بالرصاص، فأشار إليها بقضيب كان في يده وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل. فما أشار لصنم منها إلا خر لوجهه.
وتوقعت الأنصار أن يبقى رسول الله ﷺ بمكة، فأخبرهم أن المحيا محياهم، والممات مماتهم.
ومر بفضالة بن عمير بن الملوح الليثي، وهو عازم على الفتك برسول الله ﷺ، فقال له: ما كنت تحدث به نفسك قال: لا شيء، كنت أذكر الله. فضحك رسول الله ﷺ وقال: استغفر الله. ووضع يده على صدره، فكان فضالة يقول: والذي بعثه بالحق، ما رفع يده عن صدري حتى ما أجد على ظهر الأرض أحب إليّ منه.
[ ٢٣٤ ]
وهرب صفوان بن أمية إلى اليمن، فاتبعه عمير بن وهب الجمحي بتأمين رسول الله ﷺ إياه، فرجع، فأكرمه رسول الله ﷺ، وأنظره أربعة أشهر.
وكان ابن الزبعري السهمي الشاعر قد هرب إلى نجران، ثم رجع فأسلم.
وهرب هبيرة بن أبي وهب المخزومي، زوج أم هانئ بنت أبي طالب، إلى اليمن، فمات كافرًا هناك.
ثم بعث رسول الله ﷺ السرايا حول مكة، يدعو إلى الإسلام، ويأمرهم بقتال من قاتل. وفي جملتهم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فقتل منهم وأخذ، فأنكر النبي ﷺ ذلك، وبعث عليًا بمال إليهم، فودي لهم قتلاهم، ورد إليهم ما أخذ منهم.
ثم بعث خالد بن الوليد إلى العزى، وكان بيتًا بنخلة تعظمه قريش وكنانة وجميع مضر، وكان سدنته بنو شيبان من سليم حلفاء بني هاشم، فهدمه (^١).
وكان فتح مكة لعشر بقين من رمضان سنة ثمان.
_________________
(١) انظر فيما يتعلق ببعث خالد إلى بني جذيمة وإلى العزى: ابن هشام ٤: ٧٠، ٧٩، وابن سعد ٢: ١٠٥، ١٠٦ والطبري ٣: ١٢٣، وابن سيد الناس ٢: ١٨٤، ١٨٥، وابن كثير ٤: ٣١٢ - ٣١٦، والإمتاع: ٣٩٨، ٣٩٩، والمواهب ١: ٢٠٧، وتاريخ الخميس ٢: ٩٥، ٩٧.
[ ٢٣٥ ]