فلما انصرف رسول الله ﷺ من عمرة القضاء، أقام بالمدينة ذا الحجة، والمحرم، وصفرًا، وربيعًا، ثم بعث في جمادى الأولى من السنة الثامنة من الهجرة بعث الأمراء إلى الشام.
وقد كان أسلم قبل ذلك وبعد الحديبية وبعد خيبر: عمرو بن العاصي، وخالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وهم من كبار قريش.
فبعث رسول الله ﷺ على الجيش زيد بن حارثة، فإن أصابه قدر فعلى الناس جعفر بن أبي طالب، فإن أصابه قدر فعلى الناس عبد الله بن رواحة. وشيعهم رسول الله ﷺ وودعهم، ثم انصرف ونهضوا. فلما بلغوا معان من أرض الشام، أتاهم الخبر: أن هرقل ملك الروم قد نزل أرض بني مآب، وهي أرض بني مآب المذكورين في كتب بني إسرائيل، وأنهم كانوا يغاورونهم في أيام دولتهم (^٣)، وأنهم من بني لوط ﵇، وهي أرض البلقاء -: في مائة ألف من الروم،
_________________
(١) " سرف ": بفتح السين وكسر الراء، ويجوز صرفًا ومنعها من الصرف.
(٢) انظر غزوة مؤتة في: الواقدي: ٤٠١ ن وابن هشام ٤: ١٥، وابن سعد ٢/ ١: ٩٢، والطبري ٣: ٠٧، وابن سيد الناس ٢: ١٥٣، وابن كثير ٤: ٢٤١، وزاد المعاد ٢: ٣٧٤، والإمتاع: ٣٤٤، وتاريخ الخميس ٢: ٧٠، والبخاري ٥: ١٤٣.
(٣) في الأصل: يعاورونهم؛ وغاور القوم: أغار عليه مرة وأغاروا عليه مرة.
[ ٢٢٠ ]
ومائة ألف أخرى من نصارى أهل الشام من لخم، وجذام، وقبائل قضاعة: من بهرام وبلى وبلقين، وعليهم رجل من بني إراشة من بلى، يقال له: مالك بن راقلة (^١). فأقام المسلمون في معان ليلتين، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ نخبره بعدد عدونا، فيأمرنا بأمره أو يمدنا. فقال (^٢) عبد الله بن رواحة: يا قوم، إن الذي تكرهون للتي خرجتم تطلبون يعني الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة، وما نقاتلهم إلا بهذا الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فهي إحدى الحسنيين (^٣): إما ظهور، وإما شهادة. فوافقه الجيش على هذا الرأي، ونهضوا، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء، لقوا الجموع التي ذكرناها مع هرقل إلى جنب قرية يقال لها: مشارف، وصار المسلمون في قرية يقال لها: مؤتة، فجعل المسلمون على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذرى، وعلى الميسرة عباية بن مالك الأنصاري، وقيل: عبادة. واقتتلوا، فقتل الأمير الأول: زيد بن حارثة، ملاقيًا بصدره الرماح، والراية في يده؛ فأخذها جعفر بن أبي طالب، ونزل عن فرس شقراء، وقيل: إنه عقرها، فقاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بيسراه، فقطعت، فاحتضنها، فقتل كذلك، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فأخذ عبد الله بن رواحة الراية، وتردد عن النزول بعض التردد، ثم صمم، فقاتل حتى قتل. فأخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا:
_________________
(١) هكذا في الأصل. وهي كذلك في بعض نسخ السيرة، وفي بعضها: رافلة، وزافلة: وفي الطبري: رافلة.
(٢) في الأصل: فقال له.
(٣) في الأصل: الحسنتين.
[ ٢٢١ ]
أنت؛ قال: لا. فأخذها خالد بن الوليد، وانحاز بالمسلمين، فأنذر النبي ﷺ بقتل الأمراء المذكورين قبل ورود الخبر، في يوم قتلهم بعينه.