ابن الكلبي. وقد احتفظ ابن سعد بكثير من صور الخلاف بين هذه الروايات، فكان خير معين لنا في تبينها واستقرائها وهذه حقيقة لابد أن يذكرها من يتصدون لتحقيق الأنساب وضبط الأسماء فيها ضبطًا دقيقًا.
على أن هناك إلى جانب هذه الروايات الأربع وجهتين من وجهات النظر في قراءة بعض الأسماء: إحداهما تستطيع أن تسميها طريقة الأدباء في ضبط الاسم، والثانية يمكن أن نطلق عليها مذهب المحدثين؛ وإن كانت صورة الخلاف بين الفريقين لا تمتد إلى كثير من الأسماء.
وألحقنا بالسيرة رسائل خمسًا، كانت ملحقة بها في الأصل الذي صورنا عنه نسختنا، وهذه الرسائل هي:
١ - رسالة في القراءات المشهورة في الأمصار، الآتية مجيء التواتر. وقد اعتمدنا في ضبطها وتحقيقها على كتب القراءات؛ ولم نجد منها نقولًا في كتاب.
٢ - رسالة في أسماء الصحابة رواة الحديث، وما لكل واحد من العدد: وقد قمنا بتحقيق هذه الرسالة على نسختين أخريين منها، وجدناهما في فن مصطلح الحديث بدار الكتب المصرية، إحداهما رقم ٢٥٤، رمزنا لها بالحرف (ح)، وهي رسالة ناقصة ورقة أو اثنتين، وخطها رديء، والأعلام فيها غير مضبوطة، ولذلك كان اعتمادنا عليها في عدد الأسماء أكثر منه في معرفة الوجه الصحيح للاسم المكتوب. أما الرسالة الثانية فهي من وضع أبي البقاء محمد بن علي بن خلف الأحمدي، مستخرجة من كتابه " البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح "، ومضمومة إلى مجموعة مقيدة برقم (٥٢١ مجاميع)، وقد رمزنا لها بالحرف (د)، وكتب في آخرها " انتهى ما خرجه الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد ﵀ في مسنده عن أصحاب رسول الله ﷺ ". فهي إذن أخت النسخة السابقة، وإنما اقتبسها أبو البقاء الأحمدي فيما يظهر عن ابن حزم وضمنها كتابه السابق الذكر.
والفروق بين النسختين قائمة على الخطأ في النسخ، وفي عدد الأحاديث
[ ٢٢ ]
أحيانا، وعلى إدراج الأعلام وتداخلها ومزجها، ووضع كلمة (ابن) بين علمين لا صلة بينهما، بحيث يصبحان علمًا واحدًا.
وهذا هو أيضًا الغالب على نسختنا، فهي من هذه الناحية شديدة الاضطراب، بينة النقص. ولذلك فإننا، حين أصلحنا هذه الناحية فيها، أغفلنا الإشارة إليها كل حين في التعليقات، اكتفاء بهذه الإشارة العامة في المقدمة، وخاصة أننا، بعد مقابلة نسختنا بالنسختين المذكورتين، عرضنا الشكل النهائي على كتاب " تلقيح الفهوم " وهو الكتاب الذي رمزنا له بالحرف (ت) في التعليقات وفيه تخريج أسماء الصحابة الرواة، ثم لم نكتف بذلك بل عارضنا الأسماء بما يقابلها في الإصابة لابن حجر، لأن ابن حجر يشير كثيرًا إلى ابن حزم وينقل عنه. حتى إذا تم تمييز الأعلام واحدًا بعد واحد، أخذنا نعرضها على كتب الرجال، طلبًا لضبطها نهائيًا.
وفي مسند بقي أسماء كثيرة مفردة لم تميز بنسبة، فلم يكن من السهل معرفتها على وجهها أو التعريف بها، وفيه نقص آخر لم يشر إليه ابن حزم، وإنما تنبه له ابن حجر، وهو: ابن بقي بن مخلد عد في الصحابة الرواة كثيرًا من التابعين ومن غيرهم. قال ابن حجر (رقم ٨٥٢٦) " وقد وقع لبقي في مسنده أنظار ذلك يخرج الحديث من رواية التابعي، كبيرًا كان أو صغيرًا، وكذلك من رواية من لم يعد في التابعين ". ويظهر أن ابن حجر اطلع على نسخة من رجال الحديث بترتيب ابن حزم، غير النسخ من التي عثرنا عليها، إذ يقول في ترجمة محمد بن عمرو علقمة (وهو مكتوب كذلك في نسختنا ونسختي دار الكتب): " ثم وجدت في بعض النسخ من جزء الصحابة الذين أخرج لهم بقي بن مخلد ترتيب ابن حزم: " محمد بن عمرو بن علبة " بعد اللام باء غير مضبوطة بدل القاف والميم، فالله أعلم ". وهذا يزيدنا يقينا بشدة الاضطراب والتفاوت بين النسخ، ويؤكد لنا أن عملنا في رجال الحديث على شدة المشقة فيه لن يكون نهائيًا قاطعًا بحال.
وقد وجدنا بالمقابلة بين النسخ أن النسخة التي نملكها ناقصة، فأكملنا
[ ٢٣ ]
ما فيها من نقص؛ وحتى لا نكثر على القارئ بذكر هذه الأسماء المجردة، لم نضف إلى هذا العمل تلك الزيادات الكثيرة، التي أضافها البرقي وغيره، واحتواها كتاب " تلقيح الفهوم "، مع أن ابن حزم قد أذن بذلك في آخر نسخته، ولكن عدم الترتيب الهجائي في نسختنا أوقفنا عند حد الاكتفاء بضبط ما لدينا، دون إضافات مستفيضة.
٣ - رسالة في تسمية من روى عنهم الفتيا من الصحابة ومن بعدهم، على مراتبهم في كثرة الفتيا: وهذه الرسالة تنمية لتلك الأصول الأولى التي وضعها ابن سعد في كتاب " الطبقات " عن الصحابة الذين كانوا يفتون في حياة الرسول. وقد أطلع على رسالة ابن حزم هذه، ونقل جزءًا منها في كتابه " إعلام الموقعين ". ولكن يبدو أن النسخة التي اطلع عليها تختلف عن نسختنا في ترتيبها، كما أن بعض الأسماء التي ذكرها ابن القيم غير موجودة في نسختنا، وبعض ما لدينا لم يذكره ابن القيم.
٤ - جمل فتوح الإسلام: وهي رسالة طريفة موجزة، وتكاد تكون تلخيصًا لكتاب " فتوح البلدان " للبلاذري، ولا نعرف أحدًا نقل عنها، ولذلك اكتفينا بضبطها على المراجع التاريخية.
٥ - أسماء الخلفاء المهديين والأئمة أمراء المؤمنين: وحكم هذه الرسالة كالتي قبلها، وهي صورة أخرى لما جاء في " المحبر " لابن حبيب، و" المعارف " لابن قتيبة، ومثلها رسالة أخرى في كتاب " تلقيح الفهوم ". وبين هذه الكتب جميعًا اختلافات في التواريخ الزمنية، ولكن لم نثبت من هذه الخلافات إلا ما كان ضروريًا لازمًا. ونعتقد أن هناك رسالة في ذكر تواريخ خلفاء الأندلس ذكرها الحميدي فلعلها تتمة لهذه الرسالة، أو لعلهما رسالتان منفصلتان. ومن المؤكد أن الرسالة الثانية التي نشير إليها ليست هي " نقط العروس "، لأن هذه ليست مقصورة على تواريخ الخلفاء بالأندلس.
وبعد أن تم لهذا العمل كله ما تم، من الأسباب التي تقدم وصفها، تقدمنا
[ ٢٤ ]
به إلى الأستاذ العلامة، محدث العصر، الشيخ أحمد محمد شاكر، فتفضل مشكورًا بمراجعته، وأضاف إلى التعليقات ما رآه لازمًا، واستدرك ما فاتنا مما يجب التنبيه عليه.
وبعد، فقد تحدثنا كثيرًا عن أنفسنا في هذا العمل، وعن جهدنا في إخراجه. ولكنا نشعر في أعماقنا أن كل ما يتمتع به عملنا هذا من ضبط وإتقان، فإنما الفضل فيه إلى صديقنا العالم الأديب الأستاذ محمود محمد شاكر، الذي أخذ بيدنا في كل خطوة، وبصرنا بالطريق الذي نسير فيه، ووضع تحت أيدينا مكتبته القيمة، ووقته الثمين، وأفاض علينا من اطلاعه الواسع، وتواضعه الجم، ما جعلنا نستسهل كل ما يعترض طريقنا من صعوبات. فنحن مدينون له بخير ما جاء في هذا العمل. وأما ما كان فيه من خطأ فهو من عند أنفسنا، ومن قبل السهو الذي لا يسلم منه إنسان.
ومن الله نسأل العفو عن كل زلل، ومنه وحده نستلم القوة على الخير، والتوفيق إلى الائتساء بسيرة رسوله الكريم، إنه سميع مجيب.
[ ٢٥ ]