ثم لما أسلم الناس علم ﷺ أنه راحل إلى ربه تعالى، فخرج ﷺ فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت بعد نحو عشرة أعوام (^٤).
_________________
(١) انظر هذه الرواية عن جابر في ابن سعد ٢/ ١: ١٢٦.
(٢) راجع في هذا: كتاب المحل لابن حزم ٧: ١٠٨ - ١٠٩.
(٣) المتمع: هو من أهل بالعمرة في أحد أشهر الحج ثم حج في تلك الأشهر من سنته تلك (المحل ٧: ١٦٤).
(٤) قال ابن حزم في المحل ٧: ١٠٥ إن عائشة ﵂ لم تعتمر في عام حجة الوداع قبل الحج أصلًا، لأنها دخلت وهي حائض، حاضت بسرف، ولم تطف بالبيت إلا بعد أن طهرت يوم النحر - هذا أمر في شهرة الشمس - ولذلك رغبت من النبي ﷺ أن يعمرها بعد الحج، فأعمرها من التنعيم، بعد انقضاء أيام التشريق.
[ ٢٦٢ ]
ثم لما أصاب رسول الله ﷺ وجعه الذي مات فيه، كان في بيت ميمونة أم المؤمنين، ثم استأذن ﷺ نساءه أن يمرض في بيت عائشة أم المؤمنين، فأذن له في ذلك (^١).
وعرض عليه عند إغمائه أن يلدوه، فنهاهم عن ذلك، فتمادوا على أمرهم ولدوه. واللد: شيء كانت تصنعه العرب، وهو دواء في شقي الفم. فلما أفاق أمر بالاقتصاص منهم كلهم، فلدوا كلهم، حاشا عمه العباس، فإنه لم يحضر ذلك الفعل إذ لدوه. ولدت سودة أم المؤمنين وهي صائمة (^٢).
فلما كان يوم الخميس قبل موته ﷺ بأربع ليال اجتمع عنده جمع من الصحابة، فقال ﵇: ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتابًا، لا تضلون (^٣) بعدي. فقال عمر بن الخطاب ﵁ كما أراد بها الخير، فكانت سببًا لامتناعه من ذلك الكتاب، فقال: إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع، وعندنا كتاب الله، وحسبنا كتاب الله. وساعده قوم، حتى قالوا: أهجر رسول الله ﷺ (^٤) وقال آخرون: أجيبوا بالكتف والدواة يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابًا لا تضلون بعده. فساء ذلك رسول الله ﷺ، وأمرهم بالخروج من عنده. فالرزية كل الرزية ما حال
_________________
(١) جاء في المحلى ٧: ٨٢: ونستحب للمرأة والرجل أن يتطيبا عند الإحرام بأطيب ما يجدانه من الغالية والبخور بالعنبر وغيره، ثم لا يزيلانه عن أنفسهما؛ وكره الطيب للمحرم قوم؛ وقد دافع ابن حزم عن التطيب وأنكر على من كرهوه للمحرم.
(٢) هو " كتاب حجة الوداع " ومنه نسخة خطية بمكتبة فيض الله بالآستانة، مصورة على ميكروفيلم في معهد إحياء المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية. وسننشره إن شاء الله تعالى.
(٣) راجع ابن هشام ٤: ٢٩١، ٢٩٨ - ٣١٧، وابن سعد ٢/ ٢: ١٠ - ٨٠، والطبري ٣: ١٩٢ - ٢٠٧، وابن سيد الناس ٢: ٣٣٥ - ٢٤٢، وابن كثير ٥: ٢٢٣ - ٢٤٤، والإمتاع: ٥٤٠ - ٥٥١ والمواهب ٢: ٤٧٤ - ٥٠٥، وتاريخ الخميس ٢: ١٦٠ - ١٧٣، والبخاري ٦: ٩ - ١٦.
(٤) كتب في هامش النسخة: الصواب ثمانية إلا شيئًا، لأن أحدًا كان على رأس الثالثة - كما تقدم -.
[ ٢٦٣ ]
بينه وبين ذلك الكتاب. إلا أنه لا شك لو كان من واجبات الدين ولوازم الشريعة لم يثنه عنه كلام عمر ولا غيره.
وكان في تلك المرضة قال لعائشة أم المؤمنين ﵂: لقد هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فأكتب كتابًا وأعهد عهدًا، لئلا يتمنى متمن أو يقول قائل، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. فلم يكن، والله أعلم، الكتاب الذي أراد ﷺ أن يكتبه، فلا يضل بعده، إلا في استخلاف أبي بكر. وقد ظهرت مغبة ذلك، وكاد الناس يهلكون في الاختلاف فيمن يلي أمر المسلمين بعد، وفي الذي يلي من بعد من قام بعده، وإلى زمن علي، والأمر كذلك فيمن بعد علي. وبالجملة فالكتاب كان رافعًا لهذا النزاع، ولو لم يكن فيه إلا استراحة من سفك الدماء في أمر عثمان ومن بعده؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، فلقد هلكت في هذا طوائف، وتمادى ضلالهم إلى اليوم.
وصلى ﵇ أبي بكر في الصف صلاة تامة، وصلى أبو بكر بالناس تلك الأيام، بعهد رسول الله ﷺ في ذلك إليه.
وخرج ﷺ في بعض تلك الأيام وهو متوكئ على علي والعباس، وأبو بكر قد أخذ في الصلاة بالناس، فقعد عن يسار أبي بكر، وأبو بكر في موضع الإمام، وصار أبو بكر واقفًا عن يمينه في موضع المأموم، يسمع تكبير رسول الله ﷺ. فصلى النبي ﷺ بالناس، يؤمهم قاعدًا وهم خلفه. فصار ذلك مؤيدًا لما سبق من صلاته ﷺ بالناس جالسًا.
وكان هذا إجازة وقوف المذكر في مثل هذه الصلاة عن يمين الإمام.
[ ٢٦٤ ]
وهذه آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ بالناس.
ثم إن الله تعالى توفى نبيه ﷺ يوم الاثنين، حين اشتد الضحى، في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، عند تمام عشر سنين من الهجرة.
وآخر ما رأوه رجال من أصحابه، في صلاتهم الصبح من يوم الاثنين المؤرخ. وانقطع الوحى بموته ﷺ، واستقر الدين.
وصلى الناس عليه أرسالًا، لم يؤمهم أحد. ودفن في بيت عائشة أم المؤمنين، نصف ليلة الأربعاء، بعد موته بيوم ونصف يوم ونصف ليلة.
وغسله العباس، والفضل وقثم ابناه، وعلي بن أبي طالب، وأسامة ابن زيد، وشقران مولى رسول الله ﷺ، وأوس بن خولي، أحد بني عوف بن الخزرج، من الأنصار بدري. فكان أسامة وشقران يصبان الماء.
وكفن في ثلاثة أثواب قطن سحولية بيض، ليس فيها قميص ولا عمامة ولا سراويل ولا درع. أدرج فيها ﵇ فقط (^١).
وحفر له أبو طلحة الأنصاري، ولحد له في جانب القبر، وجبل أسامة اللبن، ودلاه في قبره علي بن أبي طالب، والفضل وقثم ابنا العباس، وشقران وأوس بن خولي.
وبسطت تحته قطيفة له كان يفرشها في حياته. وقد قيل: إن عبد الرحمن ابن الأسود الزهري أدخله معهم في قبره.
_________________
(١) انظر التعليق رقم: ١ ص: ٦.
[ ٢٦٥ ]
وكانت مدة مرضه ﵇ اثني عشر يومًا، ابتدأه الصداع يوم الخميس، وقيل: بل أربعة عشر يومًا. وقالت عائشة أم المؤمنين: كان ينفث رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه يشبه نفث آكل الزبيب.
وخير ﵇ عند موته، فاختار لقاء ربه تعالى، قالت عائشة: سمعته يقول ببحة شديدة: " بل الرفيق الأعلى ". ومات ﷺ مستندًا إلى صدرها.
نسأله الله تعالى، مستشفعين به ﷺ إلى الله تعالى جل ثناؤه، أن يجمع بيننا وبينه، وأن يحجبنا ببركة متابعته عن النار، وأن يصلي عليه، وأن يغفر لأمته أجمعين، وأن يجعلنا من أمته. آمين.
تم كتاب جوامع السيرة
ويليه
رسائل أخرى لابن حزم
[ ٢٦٦ ]