ذكر الذهبي أن لا بن حزم كتابًا اسمه " السيرة النبوية " (^١)، وقال السخاوي في معرض الحديث عن كتب المغازي والسير: " وأفردها (أي السيرة) أبو محمد ابن حزم " (^٢)، ولم يذكر اسم كتابه تصريحًا؛ وجاء مكتوبًا على الورقة الأولى من نسختنا " كتاب السيرة النبوية لابن حزم "؛ ثم وجدنا في كتاب " التراتيب الإدارية " (^٣) أن من بين الكتب التي نقل عنها الخزاعي مؤلف كتاب التخريج: " كتاب جوامع السيرة لابن حزم " (^٤). والخزاعي من رجال القرن الثامن (٧١٠ - ٧٨١)، ولا شك أن وضعه للاسم على هذا الوجه لا يرمز إلى أنه تصرف فيه، فليس هناك من شيء يدعوه إلى اختراع اسم للكتاب إذا أمكنه أن يسميه " السيرة النبوية ".
فهذا الاسم " جوامع السيرة " هو الأشبه بكتاب السيرة الذي بين أيدينا، وهو الأولى بمثله، لأن خير لفظة تعبر عن طريقة ابن حزم التي وصفناها آنفًا هي لفظة " جوامع "، أما تسميته بكتاب السيرة النبوية، فهو نوع من التساهل في إيراد الاسم، والتساهل قد يفعل مثل هذا في كثير من الأحيان، فنحن كثيرًا ما نطلق على كتاب " الكامل في التاريخ "، اسم " تاريخ ابن الأثير "، ونقول " سيرة ابن سيد الناس " فيما يسمى أصلا " عيونه الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ".
_________________
(١) تذكرة الحفاظ، ترجمة ابن حزم.
(٢) الإعلان بالتواريخ: ٨٩.
(٣) مؤلف في جزئين للشيخ عبد الحي الكتاني طبع المطبعة الأهلية بالرباط ١٣٤٦.
(٤) كتاب التراتيب الإدارية، المقدمة ص: ٤٢.
[ ١٥ ]
ولما كان اسم " جوامع السيرة " هو المفضل من حيث الدلالة والأصالة، فقد اخترناه اسمًا لهذا الكتاب، ورفضنا ما جاء على الورقة الأولى من النسخة المصورة، وما ذكره الذهبي، لأن الذهبي قد يكون أطلع على هذه النسخة نفسها. فالأصل في هذه التسمية إذن واحد لا تعدد، واسم " جوامع السيرة "، في نظرنا، أرجح وأقرب إلى الصواب.
أما هذه النسخة التي اتخذناها أصلًا ننشر عنه هذا النص، فقد جاء بها " معهد المخطوطات بالجامعة العربية " من المكتبة الحبيبية بالهند (^١)، وقد أثبت كاتب النسخة في آخرها أنه انتهى من نسخها سنة ١٣٥٤ هـ. فهي حديثة النسخ، والأصل الذي أخذت عنه موجود بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وهو مكتوب في القرن الثامن من (سنة ٧٧٦)، أي بعد وفاة أبي حيان النحوي (٧٤٥)، بنحو ثلاثين سنة. وإذن فالنسخة الأصلية قام بكتابتها الرجل المجهول الذي انتهت إليه رواية السيرة عن أبي حيان أثير الدين.
فإذا استثنينا هذا الراوي الذي لا نعرف شيئًا عن صلته بأبي حيان، تبقى لنا في سلسة الرواة الذين ذكرت أسماؤهم على الصفحة الثانية سن نسختنا عدد من الأعلام البارزين، وأكثرهم ورث السيرة، كما ورث معها مذهب أهل الظاهر.
١ - فأما أثير الدين محمد بن يوسف أبو حيان الجياني الغرناطي (^٢)
_________________
(١) ومن هذه السيرة نسخة خطية أخرى في المكتبة العمومية ببرلين رقم ٩٥١٠ ب م ٥٩٤، وانظر بروكلمن - الملحق الأول ص: ٦٩٥.
(٢) ترجم له البلوى في رحلته تاج المفرق ورقة ٥٢ من النسخة (رقم ١٠٥٣ جغرافيًا) بدار الكتب المصرية؛ والصفدي في أعيان العصر ح: ٧ القسم الأول الورقة ٦٧ من نسخة دار الكتب ورقمها ١٠٩١ تاريخ، وأعاد ترجمته في نكت الهميان: ٢٨٠؛ ونقل صاحب النفح ما جاء في أعيان العصر ١: ٨٢٥؛ وكذلك أورد له ابن حجر مسهبة في الدرر الكامنة رقم: ٨٣٢. وانظر أيضًا بغية الوعاة: ١٢١، ودرة الحجال رقم: ٥٦٠، وشذوات الذهب ٦: ١٤٥.
[ ١٦ ]
(٦٥٤ ٧٤٥) صاحب البحر المحيط في التفسير، وذو المكانة المشهورة في النحو، فقد روى هذه السيرة أيام تنقله في البلاد الأندلسية طلبًا للعلم. وأثناء تجواله لقي شيخين كبيرين من شيوخ الظاهرية، وهما: أبو العباس أحمد بن عليّ أبن خالص الإشبيلي الزاهد، وأبو الفضل محمد بن محمد بن سعدون الفهري الشنتمري. ولعله لقي أستاذه عبد الله بن محمد بن هارون في قرطبة، فأخذ عنه فما أخذ سيرة ابن حزم، ولما ارتحل أثير الدين إلى مصر (٦٧٩) كان قد روى جميع كتب ابن حزم، فرواها بمصر لبعض تلامذته. وظل الشيخ محافظًا على صلته بمذهب أستاذه القديم، فاختصر كتاب " المحلى " في كتاب سماه " النور الأجلى في اختصار المحلى ". ويذهب الصفدي إلى أن أثير الدين تخلى عن الظاهرية، لما رأى الناس بمصر لا يميلون إليها، وتمذهب للشافعي. ولكن يبدو من تعلقه بالمحلى أنه بقي محافظًا على ظاهريته بمصر مدة غير قصيرة من الزمن، ويقول غير الصفدي: " بل لم يزل ظاهريًا ". وربما أيد هذا قول ابن حجر فيه: " كان أبو حيان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه " (^١). على أن فضل أبي حيان في البيئة المشرقية لم يقتصر على تعريف المشارقة بكتب ابن حزم، بل " هو الذي جسر الناس على مصنفات ابن مالك في النحو، ورغبهم في قراءتها، وشرح لهم غوامضها، وخاض بهم لججهان وفتح مقفلها ". وكان رسولا أمينًا في التعريف بالثقافة المغربية ورجالها، وتقييد أسمائهم على ما يتلفظون به من إمالة وترقيق وتفخيم، لأنهم يجاورون بلاد الأفرنج، وأسماؤهم قريبة من لغاتهم، وألفاظهم كذلك (^٢).
٢ - وكان شيخه عبد الله بن محمد بن هارون بن عبد العزيز بن إسماعيل الطائي (٦٠٣ ٧٠٢) (^٣) من مهاجرة الأندلسيين، غير أنه أختار تونس
_________________
(١) الدرر الكامنة ٤: ٣٠٤.
(٢) أعيان العصر.
(٣) انظر ترجمة ابن هارون الطائي في: أعيان العصر للصفدي ج ٣ قسم ٢ الورقة: ٢٣٦، والدرر الكامنة رقم ٢٢٣٤، وردة الحجال رقم: ٩٢٩، وشذرات الذهب ٦: ٧.
[ ١٧ ]
لتكون موطن إقامته. وهو ممن جمع نواحي كثيرة من ثقافات عصره في القراءات واللغة والحديث والنحو. ويتجلى في وسط هذه العلوم اهتمامه بالسيرة النبوية، فقد سمع " الروض الأنف " من قريب له اسمه الحافظ أبو زكريا الحميري، وسمع السيرة من أحمد بن علي الفحام النحوي، وسمع الشمائل من شيخ ثالث، وروى " سيرة ابن حزم " عن شيخه أبي القاسم بن بقي، كما أخذ عنه أيضًا " الموطأ " وقرأ عليه " الكامل " للمبرد، وكان الطائي هذا آخر من روى عن ابن بقي. وليس في المصادر ما يدل على أنه كان ظاهري المذهب، ولكن ليس هناك ما يمنع ذلك، وقد عرف عنه شيء من التشيع، وانحراف عن معاوية وابنه يزيد، وفي هذه الناحية يشبهه تلميذه أبو حيان الذي كان يميل إلى محبة علي والتجافي عن من قاتله (^١).
٣ - وكان حسن (أو حسين) بن عبد العزيز بن محمد بن أبي الأحوص المعروف بابن الناظر (٦٠٣ ٦٧٩) (^٢)، ممن تلمذ أيضًا لابن بقي حين لقيه بإشبيلية. وابن الناظر هذا بلنسي الأصل غرناطي النشأة، رحل إلى كثير من بلاد الأندلس، وقرأ على الشيوخ، حتى أصبح " متفننًا في جملة معارف .. حافظًا للحديث والتفسير، ذاكرًا للأدب واللغة والتاريخ "، كما كان أيضًا من المعروفين بضبط الأسانيد والروايات. وقد تنقل بين التدريس والقضاء، حتى وافته منيته بغرناطة. وذكره أبو حيان في شيوخه إذ لقيه بمالقة، وقال فيه: " كان فيه بعض ترفع وتعتب على الدنيا، حيث قدمت من هو دونه ".
٤ - أما أحمد بن يزيد بن بقي أبو القاسم الأموي القرطبي، قاضي القضاة
_________________
(١) الدرر الكامنة ٤: ٣٠٦.
(٢) انظر ترجمة حسن (أو حسين) بن عبد العزيز بن أبي الأحوص في: بغية الوعاة: ٢٣٤، وتاريخ قضاة الأندلس للنباهي: ١٢٧، والإحاطة للسان الدين ١: ٢٩٢. وانظر مسالك الأبصار ج ١١ ص ٤٧١ (في من نقلهم العمري عن أبي حيان من كتاب النضار)، وكذلك ترجم له ابن الزبير في صلة الصلة.
[ ١٨ ]
بالمغرب (٥٣٧ ٦٢٥) (^١)، فقد كان من رجالات الأندلس جلالًا وكمالًا، ولا يعلم في الأندلس أعرق من بيته في العلم والنباهة، إلا بيت بني مغيث بقرطبة، وبيت بني الباجي بإشبيلية. وقد عرف عنه أخذه بمذهب الظاهر في أحكامه أيام توليه القضاء بمراكش، وببلده من بعد. ولما اعتزل القضاء تسابق الناس إلى الأخذ عنه. وقد سمع " الروض الأنف " من السهيلي، وأجاز له شريح بن محمد وهو ابن عام، فكانت سيرة ابن حزم داخلة ضمن هذه الإجازة، وكان ابن بقي لذلك آخر من روى بالإجازة عن شريح.
٥ - فشريح إذن (وهو شريح بن محمد بن شريح الرعيني الأشبيلي ٤٥١ ٥٣٩) (^٢) وهو تلميذ ابن حزم مباشرة. غير أنه فيما يظهر أخذ عنه أيضًا بالإجازة في سن صغيرة، فقد كانت سنه يوم توفي ابن حزم لا تتجاوز خمسًا. وعلى هذا فإنه من آخر من أجاز لهم ابن حزم. وكان شريح مقرئًا محدثًا حافظًا خطيبًا بليغًا، لقيه ابن بشكوال صاحب " الصلة " فأجاز له، وتتصل روايته عن طريق ابن بقي بابن الأبار، ويعتمدها في كتاب " التكملة " إذا روى عن أبي محمد بن حزم (^٣).
٦ - أما عبد الباقي بن بربال الحجاري (٤١٦ ٥٠٢) (^٤) فهو أبو بكر عبد الباقي بن محمد بن سعيد بن بريال الحجاري، منسوب إلى بلد بالأندلس يسمى " وادي الحجارة ". وروى عن المنذر بن المنذر، وأبي الوليد هشام بن أحمد الكناني، وأبي القاسم بن الفتح، وأبي عمر الطلمنكي، وغيرهم، سكن
_________________
(١) انظر ترجمته في: التكملة لابن الأبار برقم: ٢٩٢، وتاريخ قضاة الأندلس: ١١٧، وشذرات الذهب ٦: ١١٦. وكذلك ترجم له ابن الزبير في صلة الصلة.
(٢) انظر الصلة لابن بشكوال رقم ٥٣١ في ترجمة الرعيني.
(٣) انظر مقدمة التكملة لابن الأبار.
(٤) راجع ترجمة عبد الباقي بن بريال في صلة ابن بشكوال رقم: ٨٢٥، وفي بغية الملتمس للضبي رقم: ١١٢٥، ومعجم السلفي الورقة: ١٣٨، ومعجم البلدان لياقوت " وادي الحجارة "، والتاج (برل)؛ وقد ذكر صاحب القاموس في جده أنه " برآل " بالضم، وعقب عليه صاحب التاج أن الصواب في جده " بريال " بالياء، كما ضبطه الحافظ وغيره.
[ ١٩ ]
في آخر عمره المرية، وتوفي بمدينة بلنسية بعد أن عمر عمرًا طويلًا.
هؤلاء هم الذين اتصلت روايتهم لكتب أبي محمد عامة، ولكتاب السيرة خاصة. وعن طريق آخرهم في السند، وصلت هذه الكتب إلى المشرق. وكلهم من ذوي العلم والفضل، ومن هنا كانت لروايتهم قيمة كبيرة، وكان السند عنهم عاليًا في صحته. ولابد من أن نلحظ أن كاتب النسخة المروية عن أبي حيان كان يملك نسخة أخرى لعلها نسخة أستاذه وقد كتب على ظهرها " كتب إلى القاضي أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني من حمص الأندلس، قال: أنبأنا أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الحافظ، قال: وقرأت علي أبي محمد بن عبد الله بن محمد بن مرزوق اليحصبي الأندلسي بمصر عن أبي بكر عبد الباقي بن محمد بن بريال الحجاري .. "
وليس لهذه النسخة أو للأخرى المنقولة عنها وجود، وكلتا النسختين: هذه التي بين أيدينا، أو المحفوظة في مكتبة المدينة المنورة، متأخرتان من حيث الزمن، وقد قضت علينا ظروف غالبة، أن نكتفي بالنسخة المجلوبة من الهند، وأعجزتنا عن الحصول عل نسخة المدينة. وكان مما يطمئننا إلى النسخة التي نملكها أن ناسخها، وهو الشيخ أبو عبد الله السورتي، رجل مدقق محقق، وأنه بذلك جهدًا كبيرًا في ضبط ما نقله، مقابلًا نسخته على " سيرة ابن هشام " المطبوعة على هامش " الروض الأنف " للسهيلي، ومطلعًا بين حين وآخر على كتاب جمهرة انساب العرب لمؤلف السيرة نفسه. وقد كتب أبو عبد الله الأصل المغير على هامش النسخة، وأدخل تصحيحاته في السياق، وفي بعض الأحيان احتفظ بالنص الأصلي ووضع الصواب مقابلًا له على الهامش وميزه بعلامة (صح)، وبذلك مضى محافظًا على أمانة النقل إلى أبعد الحدود. نعم إن شدة اتباعه لسيرة ابن إسحاق المطبوعة قد أوقعته في بعض الخطأ، ولكن رد ما غيره إلى أصله، أو العثور على الوجه الصحيح فيه، كان أمرًا يسيرًا، لأنه كان أمينًا في ما يحدثه من تغيير. وقد أضاف الشيخ أبو عبد الله أيضًا بعض التعليقات على الهوامش
[ ٢٠ ]
فما وجدناه منها صالحًا للإثبات أثبتناه، وأشرنا إلى أنه منقول من هامش النسخة. ويظهر أن نسخة المدينة، التي نقل عنها أبو عبد الله، كانت مضطربة في مواطن كثيرة، ناقصة في بعض المواطن، فأصلح منها ما استطاع، وزاد حيث تجب الزيادة، وصحح جوانب من السهو لا يمكن أن يقع فيها عالم مدقق مثل ابن حزم. ومع ذلك بقيت هناك مواطن أخرى في حاجة إلى إصلاح، فأصلحناها وميزنا ما زدناه على النص الأصلي بوضعه بين معكفين. وأثبتنا في فهرس الأعلام، في آخر الكتاب، تعليقات يسيرة، استدركنا فيها بعض ما فاتنا إثباته في صلب الكتاب.
وقد كان لنا في تحقيق السيرة منهج محدد، وغاية مرسومة. ومن ثم أخذنا أنفسنا بمراجعة السيرة على ما كتب قبلها وما كتب بعدها من أمهات كتب السير، وبينا عند كب موضوع أين موقعه في هذه الكتب، لتكون هذه السيرة فهرستًا لأكثر كتب السيرة المشهورة، كسيرة ابن هشام، وابن سعد، والطبري، والبلاذري، وابن سيد الناس، وابن كثير، والمقريزي، وغيرهم. فذلك قد يعين الباحثين في السيرة على سرعة الوصول إلى الحقائق، ويساعد من يحب دراسة التأليف في السيرة على نحو زمني أو موضوعي.
وقد صرفنا عناية كبيرة إلى ضبط الأنساب والأعلام، وكثيرًا ما آثرنا كتابة الضبط بالحروف، لأننا نحس أن الفوضى في نطق الأعلام القديمة قد أصبحت شيئًا عامًا، وأن الشكل وحده لا يؤدي الغرض من الضبط والدقة. وكان كتاب " الجمهرة " نسخة ثانية نراجع عليها الأنساب، فإذا وجدنا ما في " الجمهرة " يخالف ما في نسختنا سارعنا إلى إثباته قبل أي خلاف آخر في أي كتاب آخر، لأن " الجمهرة " و" جوامع السيرة " من عمل مؤلف واحد.
وقد أطلعتنا العناية بضبط الأنساب خاصة على أننا إزاء أربع روايات، تمثل أربعة تيارات في تاريخ النسب، وهي: رواية الواقدي، ورواية ابن عمارة الأنصاري (وخاصة في أنساب الأنصار)، ورواية ابن إسحق، ورواية
[ ٢١ ]