وأمّا أصحاب الفيل: فإنّ الحبشة لمّا ملكت (اليمن) وعليهم أبرهة الأشرم، وكانوا بنوا كنيسة ب (صنعاء) كالكعبة، وصرفوا حجّاج (الكعبة) إليها، فدخلها ليلا رجال من قريش ولطّخوها بالعذرة «١» وهربوا، فلمّا علم بذلك أبرهة عزم على هدم (الكعبة)، فتجهّز في جيش عظيم، فلمّا شارف (مكّة) أغار على سرحها «٢»، فاستاق أموال قريش، ونزل ب (عرفة)، فخرج إليه عبد المطّلب، فلمّا رآه أبرهة نزل له/ عن سرير ملكه إجلالا له، وسأله عن حاجته، فذكر أنّ له نحو مئة من الإبل فردّها عليه، فقيل لعبد المطّلب: هلّا كلمته في الانصراف عن (الكعبة)؟ فقال: أنا ربّ إبلي، والكعبة لها ربّ يحميها.
_________________
(١) العذرة: الغائط.
(٢) السّرح: الماشية من الغنم والإبل.
[ ٩١ ]
وامتاز بقريش إلى رؤوس الجبال، وجعل يدعو الله ويقول، [من مجزوء الكامل] «١»:
لا همّ إنّ [المرء] يمن ع رحله فامنع حلالك «٢»
لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم غدوا محالك «٣»
محالك، أي: مكرك، ومنه: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ [سورة الرّعد ١٣/ ١٣]-
ثمّ سار أبرهة إلى (مكّة)، فلمّا كانوا ب (محسّر) «٤» - بمهملات، وهو واد بين (عرفة ومزدلفة) - نكص الفيل على عقبيه، فردّوه فأبى، فأدخلوا الحديد في أنفه حتّى خرموه، فلم يساعدهم على التّوجّه إلى (مكّة) .
فبينما هم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرا، يحمل كلّ طير منها ثلاثة أحجار صغار؛ حجرين بين رجليه، وحجرا في منقاره، إذا وقعت الحجارة على رأس أحدهم خرجت من دبره، فأهلكهم الله جميعا.
_________________
(١) ابن هشام، ج ١/ ٥٠.
(٢) لا همّ: أصلها اللهمّ. حلالك: جمع حلة: وهي جماعة البيوت، والمراد هنا: القوم الحلول. والحلال أيضا: متاع البيت، وجائز أن يكون هذا المعنى الثاني مرادا هنا. (ابن هشام، ج ١/ ٥١) .
(٣) غدوا: غدا. وهي اليوم الّذي يأتي بعد يومك، فحذفت لامه، ولم يستعمل تامّا إلّا في الشّعر. (ابن هشام، ج ١/ ٥١) .
(٤) محسّر: واد صغير يأتي من الجهة الشرقية لثبير الأعظم من طرف ثقبة، ويذهب إلى وادي عرنة، فإذا مرّ بين منى ومزدلفة كان الحد بينهما. (معالم مكّة ص ٢٤٨) .
[ ٩٢ ]
وفي ذلك أنزل الله على نبيّه ﷺ مذكّرا له بنعمته عليه وعلى قومه، لأنّه كان يومئذ حملا «١»، وولد بعد الفيل بخمسين ليلة:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ- أي: إبطال- وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ- أي: عصبا عصبا- تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ- أي: من قعر جهنّم، وهو أيضا سجّين- فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ- أي: كزرع أكلته البهائم-[سورة الفيل] .
ومن يومئذ احترمت النّاس قريشا، وقالوا: هم جيران الله، يدافع عنهم.