ولا خلاف بين العلماء في أنّ هذين البلدين أفضل بلاد الله على الإطلاق، وإنّما اختلفوا في أيّهما أفضل. والجمهور على تفضيل (مكّة) على (المدينة)، إلّا موضع قبره الشّريف، فأجمعوا أنّه أفضل تربة في الأرض، لما ورد أنّ كلّا يدفن في تربته الّتي خلق منها «٥»، وهو ﷺ أفضل الخلق، فتربته أفضل تربة في الأرض.
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٧٨) . ومسلم برقم (١٣٨٧/ ٤٩٤) . عن سعد بن أبي وقّاص ﵁.
(٢) أخرجه البخاريّ، برقم (١٧٨١) . ومسلم برقم (١٣٧٩/ ٤٨٥) . عن أبي هريرة ﵁. أنقاب: (جمع تلّة للنقب)؛ وهو الطّريق بين الجبلين.
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (١١٣٣) . ومسلم برقم (١٣٩٤/ ٥٠٥) . عن أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (١١٣٨) . ومسلم برقم (١٣٩١/ ٥٠٢) . عن أبي هريرة ﵁.
(٥) والّذي ورد أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ما قبض نبي إلّا دفن حيث يقبض» . أخرجه ابن ماجه برقم (١٦٢٨) . عن ابن عبّاس ﵄.
[ ٨٥ ]
وأفضل موضع في (مكّة): (الكعبة)، ثمّ (المسجد)، ثمّ (دار خديجة) ﵂، لأنّه أقام فيها نحو ثمانية وعشرين عاما.
وما أحسن قول القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في وصف تلك الرّياض- أعني (مكّة والمدينة) -: (وجدير بمواطن عمّرت بالوحي والتّنزيل، وتردّد في عرصاتها «١» جبريل، وعرجت منها الملائكة والرّوح، وضجّت فيها بالتّقديس والتّسبيح، [وانتشر عنها من دين الله وسنّة رسوله ما انتشر]، مدارس وآيات، ومشاهد الفضل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدّين، ومواقف سيّد المرسلين، حيث انفجرت النّبوّة/ والرّسالة، وفاض عبابها «٢»، وأوّل أرض مسّ جلد المصطفى ترابها؛ أن تعظّم عرصاتها، وتتنسّم «٣» نفحاتها، وتقبّل ربوعها وجدرانها) «٤» .
وقال القاضي عياض- رحمه الله تعالى- في معنى ذلك شعرا، [من الكامل] «٥»:
يا دار خير المرسلين ومن به هدي الأنام وخصّ بالآيات
_________________
(١) العرصات: (جمع عرصة)؛ وهي كلّ موضع واسع لا بناء فيه. (أنصاريّ) .
(٢) العباب: كثرة الماء والسّيل.
(٣) تنسّم: طلب النّسيم واستنشقه. (أنصاريّ) .
(٤) الشّفا، ج ٢/ ١٣٢- ١٣٣.
(٥) وروي أنّ القاضي عياضا- رحمه الله تعالى- لم يحج ولم يزره ﷺ، فقال هذه الأبيات متحسّرا.
[ ٨٦ ]
عندي لأجلك لوعة وصبابة وتشوّق متوقّد الجمرات «١»
وعليّ عهد إن ملأت محاجري من تلكم الجدران والعرصات «٢»
لأعفّرنّ مصون شيبي بالثّرى من كثرة التّقبيل والرّشفات «٣»
لكن سأهدي من حفيل تحيّتي لقطين تلك الدّار والحجرات «٤»
أذكى من المسك المعنبر نفحة تغشاه بالآصال والبكرات «٥»
وأمّا شرف قومه ونسبه، وماثر آبائه وحسبه ﷺ فهي دوحة شرف، أصلها ثابت وفرعها في السّماء، وعمود نبوّة يصدع بنوره حجاب الظّلماء.
وقد قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة التّوبة ٩/ ١٢٨] . ومعنى: مِنْ أَنْفُسِكُمْ- بضم الفاء- أي:
منكم، ومِنْ أَنْفُسِكُمْ- بفتحها- أي: من خياركم.
_________________
(١) اللّوعة: حرقة في القلب، وألم يجده الإنسان من حبّ أو همّ أو حزن. الصّبابة: رقّة الشّوق وحرارته.
(٢) المحجر: ما أحاط بالعين.
(٣) التّعفير: التّمريغ بالعين. الرّشفات: جمع رشفة- وهي مصّ الريق. وفسّر هنا بالتّقبيل.
(٤) الحفيل: بمعنى كثير.
(٥) في «الشفا»: المفتّق.
[ ٨٧ ]
قال العلماء: لم تكن قبيلة من العرب إلّا ولها وصلة بالنّبيّ ﷺ، إمّا ولادة أو قرابة.
وقال ﷺ: «بعثت من خير قرون بني آدم، قرنا فقرنا، حتّى كنت من القرن الّذي كنت فيه»، رواه البخاريّ «١» .
وقال ﷺ: «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، رواه التّرمذيّ، وقال: حديث [حسن] صحيح «٢» .