وأمّا تفضيله ﷺ على جميع النّبيّين والمرسلين؛ فلما صحّ من قوله ﷺ: «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر» «١» .
فتحدّث بنعمة ربّه امتثالا لأمره، نافيا للفخر والخيلاء، وبلّغ ذلك إلى أمّته ليعرفوه ويعتقدوه، ولقوله ﷾: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران ٣/ ١١٠] .
ولا شكّ أنّ خيريّة الأمّة بحسب كمالها، وذلك تابع لكمال نبيّها، لأنّ كمال التّابع من كمال المتبوع. هذا إلى ما ورد في الأخبار الصّحيحة من اختصاصه ﷺ بالشّفاعة العظمى في أهل الموقف يوم الدّين، وهو المقام المحمود الّذي يحمده فيه الأوّلون والآخرون، بعد رجوع الخلائق إليه في الشّفاعة العظمى، واعترافهم له بالمزيّة.
وفي «الصّحيحين»: «أعطيت خمسا، لم يعطهنّ أحد قبلي:
نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، برقم (٤٣٠٨) . عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١٣٣ ]
وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وبعثت إلى النّاس عامّة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة» «١» .
وقال بعض العارفين/ بالله: لمّا أخرج الله: مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [سورة الأعراف ٧/ ١٧٢] تفاوتوا في الإجابة، فأوّلهم الرّسل، وأوّل الرّسل محمّد ﷺ وعليهم أجمعين.
هذا مع أنّه لا تفاضل بين جميع الأنبياء في درجة النّبوّة، وإنّما يكون التّفاضل بينهم بأمور أخر زائدة على ذلك؛ كأن تكون معجزات أحدهم أشهر وأظهر، أو تكون أمّته أكثر وأظهر، أو غير ذلك ممّا يخصّهم الله به من الكرامة.
فمنهم: أولوا العزم «٢»، ومنهم: أولوا الأيدي والأبصار «٣»، ومنهم: المصطفون الأخيار «٤»، ومنهم: من رفعه الله مكانا عليّا «٥»، ومنهم: من آتاه الله الحكم صبيا «٦» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٢٨) . ومسلم برقم (٥٢١/ ٣) . عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) أولوا العزم: ذوو الحزم والصّبر. وفيهم عشرة أقوال؛ أحدها: أنّهم (نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمّد ﷺ) . [زاد المسير، ج ٧/ ٣٩٢ (أنصاريّ)] وهذا القول هو المعتمد المشهور عند المحققين.
(٣) أولو الأيدي: القوّة في الطّاعة. والأبصار: البصائر في الدين والعلم. قال ابن جرير: وذكر الأيدي مثل، وذلك لأنّ باليد البطش، وبالبطش تعرف قوّة القويّ، فلذلك قيل للقويّ: ذو يد. وعنى بالبصر: بصر القلب، وبه تنال معرفة الأشياء. [زاد المسير، ج ٧/ ١٤٦ (أنصاريّ)] .
(٤) وهم: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب عليهم الصّلاة والسّلام. (أنصاريّ) .
(٥) وهو: إدريس ﵊.
(٦) وهو: يحيى ﵊.
[ ١٣٤ ]
[قال الله تعالى] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [سورة البقرة ٢/ ٢٥٣] .
[وقال تعالى]: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا [سورة النّساء ٤/ ١٦٤] .
ثمّ إنّه ليس يخفى على من له أدنى ممارسة بالعلم أنّ معجزات نبيّنا محمّد ﷺ أشهر وأكثر من معجزات سائر المرسلين عليهم الصّلاة والسّلام أجمعين- كما سيأتي ذكر بعضها- وإنّها أبلغ وأتمّ في باب الإعجاز.
إذ من المعلوم أنّ انفجار الأصابع بالماء الغزير أبلغ في باب الإعجاز من انفجاره من الحجر، لأنّه شيء ما شوهد مثله قطّ ولا عهد، بخلاف انفجار الحجر بالماء، فإنّه بالجملة معهود، وإن كان على غير الوجه الّذي شوهد في عهد موسى ﵇.
وكذلك إشباع الجيش الكثير من أقراص من شعير، أتمّ في باب الإعجاز من إنزال المنّ والسّلوى، والمائدة على عيسى [﵇] من السّماء.
وكذلك ردّ العين السّائلة وإعادتها في الحال إلى صحّتها حتّى كانت أحسن من الآخرى الصّحيحة، أعجب من إبراء الأكمه والأبرص.
وكذلك نطق ما لم يعهد نطقه أصلا- كالجذع، والحجر، والشّجر، والضّبّ، والذّئب، والذّراع- أغرب من إحياء الموتى، فإنّ الميّت قد كان ينطق/، فقد عهد منه الحياة والنّطق في الجملة، ولم يعهد في حال من الأحوال نطق شيء من تلك الأجناس.
على أنّ جميع معجزات المرسلين ﵈ تصلح أن تكون
[ ١٣٥ ]
معجزة لنبيّنا ﷺ، لأنّ حقيقة المعجزة ما دلّ على صدق الرّسول، وكلّ من المرسلين قد بشّر به، فمعجزاتهم الدّالّة على صدقهم، معجزات دالّة على صدقه، وبراهين شاهدة بصحّة نبوّته.
ثمّ إنّ معجزات سائر المرسلين عليهم الصّلاة والسّلام انقرضت بانقراضهم، وانعدمت بموتهم.
وأمّا نبيّنا محمّد ﷺ فأعظم معجزاته: القرآن، وهو معجزة مستمرّة على مرّ الأزمان، لا تبيد ولا تنقطع، ولا تذهب ولا تضمحلّ، بل هي ثابتة إلى الأبد، واضحة الحجّة لكلّ قرن، فلا يمرّ عصر، ولا يظهر قرن، إلّا وهم مستدلّون على الخصم بوجوه إعجازه، محتجّون عليه بما احتجّ من قبلهم على الخصم من قبله، قائلين: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [سورة البقرة ٢/ ٢٣] .