قال العلماء: وإنّما طلب فضل الماء ليكون من باب تكثير القليل، لا من باب الإيجاد من العدم، لئلّا يتوهّم أحد أنّه الموجد للماء.
_________________
(١) ذكره الزبيدي في «الإتحاف»، ج ٧/ ١٩٢، وعزاه لابن بكير في «زيادة المغازي»، عن ابن إسحاق.
(٢) الوضوء: (بفتح الواو): الماء الّذي يتوضّأ به (أنصاريّ) .
(٣) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٨٠) .
(٤) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٨٦) .
[ ١٤١ ]
وفي «الصّحيحين» أيضا، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: عطش النّاس يوم (الحديبية)، ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة، فتوضّأ منها، وأقبل النّاس نحوه، فقالوا: ليس لنا ماء إلّا ما في ركوتك هذه، فوضع يده في الرّكوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه ﷺ، كأمثال العيون «١» .
وفي «الصّحيحين» عن البراء بن عازب، وسلمة بن الأكوع ﵄، أنّهم نزحوا بئر (الحديبية) فلم يتركوا فيها قطرة، وكانت قليلة الماء، لا تروي خمسين شاة، فنزح ﷺ منها دلوا وبصق فيه، وأعاده إليها/، فجاشت بالماء الغزير، حتّى أروى الجيش أنفسهم وركابهم «٢» .
وفي «الصّحيحين» عن عمران بن حصين ﵁، قال: أصاب النّاس عطش شديد، وهم مع النّبيّ ﷺ في بعض أسفاره، فوجّه رجلين من أصحابه، وهما: عمران بن حصين، وعليّ بن أبي طالب ﵄، وأعلمهما أنّهما يجدان امرأة بمكان كذا، معها بعير عليه مزادتان، فوجداها، فأتيا بها إلى النّبيّ ﷺ، [فجعل في إناء من مزادتيها، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ثمّ أعاد الماء في المزادتين، ثمّ فتحت عزاليهما] «٣» فأمر النّاس أن يستقوا من مزادتيها، فملؤوا أسقيتهم حتّى لم يدعوا سقاء إلّا ملؤوه، قال عمران بن حصين: ثمّ أوكيتهما]، وتخيّل لي أنّهما لم يزدادا إلّا امتلاء، ثمّ أمر فجمع لها من الأزواد حتّى ملأ ثوبها،
_________________
(١) أخرجه البخاريّ برقم (٣٩٢١) . ومسلم برقم (١٨٥٦) . الرّكوة: إناء من جلد.
(٢) أخرجه البخاريّ برقم (٣٩٢٠) .
(٣) العزالى- مفردها عزلاء- وهي: مصب الماء من القربة ونحوها. [الأنصاري] .
[ ١٤٢ ]
وقال: «اذهبي فإنّا لم نأخذ من مائك شيئا- أي: لم ننقصه- ولكنّ الله سقانا» «١» .
وفي «الصّحيحين»، عن عمر بن الخطّاب ﵁، قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في جيش العسرة، فعطش النّاس عطشا شديدا، حتّى إنّ الرّجل منّا لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، فرغب أبو بكر إلى النّبيّ ﷺ في الدّعاء، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتّى قالت السّماء، فانسكبت، فملؤوا ما معهم من الأسقية، ولم يجاوز المطر العسكر «٢» .
وفي «صحيح مسلم» عن جابر ﵁، قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في غزوة، فقال: «يا جابر ناد الوضوء»، فلم يجدوا ماء إلّا قطرة في فم مزادة، فقال: «ائتني بجفنة الرّاكب»، فأتيته بها، فوضع النّبيّ ﷺ كفّه فيها، وصبّ عليه ذلك الماء، فقال:
«باسم الله»، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، حتّى امتلأت الجفنة، واستدارت، فأمر النّاس بالاستقاء منها، فاستقوا، وأسقوا ركابهم، فرفع يده من الجفنة، وإنّها لملأى «٣» .
_________________
(١) أخرجه البخاريّ، برقم (٣٣٧) و(٣٣٧٨) . ومسلم برقم (٦٨٢/ ٣١٢) . المزادة: إناء من جلد كالرّاوية لها فم، تملأ ماء للشّرب، فالمزادة والرّاوية والقربة كلّها تصنع من الجلد، لكنّ بعضها أكبر من بعض، وأكبرها الرّاوية. العزلاء: مصبّ الماء من القربة ونحوها. أوكأ: ربط. أو شدّ بالوكاء، وهو ما يشدّ به رأس القربة ونحوها.
(٢) أخرجه البزّار في «المسند»، ج ٦/ ١٩٥. فرثه: ما في كرشه. قالت السّماء: غيّمت وظهر فيها سحاب. الأسقية: مفردها: سقاء؛ وعاء من جلد يكون للماء واللّبن.
(٣) أخرجه مسلم، برقم (٣٠١٣) . الجفنة: الإناء للماء والطّعام.
[ ١٤٣ ]
وروى الإمام مالك في «الموطّأ»، / عن معاذ بن جبل ﵁، قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في غزوة (تبوك)، فوردنا العين، فوجدناها تبضّ بشيء من ماء مثل الشّراك، فغرفوا منها شيئا في إناء، فغسل به النّبيّ ﷺ وجهه ويديه، وأعاده فيها، فجرت بماء كثير، له حسّ كحسّ الصّواعق، ثمّ قال: «يوشك أن يكون ما ها هنا جنانا» - أي: بساتين- فكان كذلك «١» .