قال المصنف: «فلما سمعَ رسُولُ الله ﷺ بمسيرِهم إليه أَمَر المسلمينَ بحفرِ خندقٍ يحولُ بين المشركينَ وبين المدينةِ، وكان ذلك بإشارة سَلْمَان الفارسيّ ﵁، فعمل المسلمونَ فيه مبادرين هجوم الكفار عليهم، وكانت في حفْره آياتٌ مفصلةٌ يطولُ شرحُها، وأعلامُ نبوةٍ قد تواتر خبرُها، فلما كَمُل قَدِم المشركون، فنزلوا حولَ المدينةِ كما قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٠]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكر المصنف هنا أن النبي ﷺ عندما سمع بمسير الأحزاب لغزو المدينة استشار أصحابه، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق من الجهة الشمالية للمدينة، وهي الجهة الوحيدة المكشوفة من المدينة أمام الغزاة، إذ كانت بقية الجهات محصنة طبيعيًا بالحِرَار الوعرة والأبنية المتشابكة التي يصعب على الجيوش الحركة فيها.
٢ ــ وخبر مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق مما أطبق عليه كتاب السيرة، وفي بعض ألفاظه أنه قال: "إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"، لكن لم أقف لهذه المشورة على إسناد (^٢).
٣ ــ وقد ورد في بعض الروايات أن طول الخندق كان خمسة آلاف ذراع،
_________________
(١) المصدر السابق ٢/ ٢١٩.
(٢) ينظر فتح الباري ٧/ ٣٩٣.
[ ١٩٨ ]
أي أقلّ من (٣) كيلو، وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة إلى عشرة. كما ورد أن النبي ﷺ جعل على كل عشرة من المسلمين حفر أربعين ذراعًا (^١).
٤ ــ واختلف في المدة التي استغرقها حفر الخندق ما بين من يقول ستة أيام ومن يقول شهرًا، وبينهما أقوال عدة (^٢).
٥ ــ وقد ثبت في الصحيحين اشتراك النبي ﷺ مع أصحابه في حفر الخندق ونقله التراب معهم حتى وارى بياض بطنه (^٣).
وفي هذا صورة من صور تحقيقه ﷺ لمبدأ العدالة والمساواة بين الحاكم والرعية في تحمّل المسؤوليات والمهام، حيث لم يكتف بالتوجيه العام أو المشاركة الرمزية كما يفعل القادة عادة.
٦ ــ وفي أخذ النبي ﷺ فكرة حفر الخندق من الفرس دليل على انفتاحه ﷺ على جميع الأنظمة والتدابير العالمية التي ليس فيها مخالفة للشرع، أخذًا بمبدأ الحكمة ضالة المؤمن.
٧ ــ وكانت أيام حفر الخندق أيام برد شديد وتعب وجوع (^٤)، حتى إنهم لبثوا مرة ثلاثة أيام لا يذوقون طعامًا، فكانوا يعصبون الحجاة على بطونهم (^٥).
٨ ــ وقوله: "وكان في حفره آيات مفصلة وأعلام نبوة قد تواتر خبرها":
_________________
(١) وردت بذلك روايات ضعيفة من الناحية الحديثية.
(٢) فتح الباري ٧/ ٣٩٤.
(٣) صحيح البخاري «٧٢٣٦»، صحيح مسلم «١٨٠٣».
(٤) فتح الباري ١١/ ٢٣١.
(٥) صحيح البخاري «٤١٠١».
[ ١٩٩ ]
أقول: من ذلك أن النبي ﷺ أطعم جمعًا غفيرًا يبلغ الألف من شاة صغيرة وصاع شعير حتى شبعوا وزاد الطعام (^١).
ومن ذلك أن صخرةً صلبة عرضت للصحابة أثناء الحفر لا تؤثر فيها المعاول وحالت دون إتمامهم للحفر، فكلَّموا رسول الله ﷺ فيها، فضربها فأصبحت رملًا (^٢).
وجاء في رواية البراء بن عازب قال: عرض لنا صخرة في مكان من الخندق، لا تأخذ فيها المعاول، قال: فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فجاء رسول الله ﷺ، فأخذ المعول فقال: "بسم الله" فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا". ثم قال: "بسم الله" وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا"، ثم قال: "بسم الله" وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر فقال: "الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا" (^٣)