قال المصنف: «وخَلَصَ المشركونَ إلى رسُولِ الله ﷺ فجُرحَ في وجههِ الكريمِ،
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٠٣٩، ٤٠٤٣».
(٢) فتح الباري ٧/ ٣٦٢ باختصار.
[ ١٦٦ ]
وكُسرت رَبَاعيته (^١) اليمنى السُّفلى بحَجَرٍ، وهُشِمَت البيضة (^٢) على رأسه المقدَّس، وقُتل مصعب بن عمير ﵁ بين يديه، ونشبت حلقتان من حِلَق المغْفر (^٣) في وجهه ﷺ، فانتزعهما أبو عُبيدة بن الجرَّاح ﵁، وعضَّ عليهما حتى سقطت ثنيّتاه، وترَّسَ أبو دُجانة سِمَاك بن خَرَشَة عليه ﷺ بظهره، والنبلُ يقعُ فيه، وهو لا يتحرك ﵁، ورمى سعدُ بنُ أبي وقاص ﵁ يومئذٍ رميًا مسَّددًا مُنْكئًا، فقال له رسُولُ الله ﷺ: «ارم فداكَ أَبي وأُمي»، وأُصيبت يومئذ عينُ قتادة بن النعمان الظفريّ، فأتى رسُولَ الله ﷺ فردَّها ﵊ بيده الكريمة، فكانت أصحَّ عينيه وأحسنَهما.
وصرخَ الشيطانُ ــ لعنه الله ــ بأعلى صوته: إن محمدًا قد قُتل، ووقعَ ذلك في قلوبِ كثير من المسلمينَ، وتولَّى أكثرُهم، وكان أمر الله».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف هنا هو بعضٌ مما قدمه صحابة رسول الله ﷺ من تضحيات عظيمة وبطولات خالدة في المعركة، وثمة مواقف أخرى تركناها اختصارًا.
٢ ــ وجرحُ وجه النبي ﷺ، وكسرُ رباعيته، وهشْمُ البيضة فوق رأسه الشريف، كلُّه مخرج في الصحيحين (^٤). والمراد بكسر ثنيته: ذهاب قطعة منها،
_________________
(١) الرباعية: السنّ بين الثنية والناب، وهما اثنان في الأعلى، واثنان في الأسفل.
(٢) البيضة: الخوذة التي يلبسها الفارس على رأسه.
(٣) حلقات تنسج من الدروع على قدر الرَّأْس تلبس تَحت القلنسوة.
(٤) صحيح البخاري «٢٩١١»، صحيح مسلم «١٧٩٠».
[ ١٦٧ ]
وليس قلعها من أصلها كما نبّه عليه الحافظ ابن حجر (^١).
٣ ــ وقوله: "ونشبت حلقتان من حِلَق المغفر في وجهه ﷺ، فانتزعها أبو عبيدة بن الجراح": أخرجه أبو داود الطيالسي من حديث عائشة ﵂ بإسناد ضعيف (^٢).
٤ ــ وتتريس أبي دجانة عليه ﷺ من النبل ذكره ابن إسحاق بدون إسناد (^٣).
وردّه ﷺ عين قتادة بن النعمان إلى مكانها بعد أن قلعت ذكره ابن إسحاق من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة (^٤).
٥ ــ وتفدية النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص بأبويه يوم أحد مخرج في الصحيحين (^٥).
٦ ــ وصرخة الشيطان بأن "محمدًا قد قُتل" مخرج في مسند أحمد بإسناد صحيح (^٦).
٧ ــ وفي لبسه ﷺ للخوذة والمغفر في المعركة دليل على مشروعية الأخذ بالأسباب المادية وأنه لا يتنافى مع كمال التوكل على الله تعالى.
٨ ــ كما دلت الحادثة على فضل أصحاب رسول الله ﷺ وما بذلوه من
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٣٦٦.
(٢) مسند أبي داود الطيالسي «٦»، وفي سنده إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو ضعيف.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٨٢.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٨٢.
(٥) صحيح البخاري «٤٠٥٥»، صحيح مسلم «٢٤١٢».
(٦) صحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند «٢٦٠٩».
[ ١٦٨ ]
تضحيات جسيمة في سبيل حمايته ﷺ وإعلاء كلمة الإسلام.
٩ ــ كذلك يؤخذ من الحادثة خطورة نشر الإشاعات والأراجيف ووجوب الحذر منها، كما ظهر ذلك في الإشاعة التي أطلقها إبليس لعنه الله بأن "محمدًا قد قُتل" حتى أصيب المسلمين بالذهول والفزع الشديد.
١٠ ــ كما دلت الحادثة على شؤم المعاصي وأثرها السيئ ليس على أصحابها فحسب، بل وعلى من حولهم أيضًا، فإن المعاصي تصيب الطالح والصالح جميعًا في الدنيا، كما أصيب المسلمون يوم أحد بسبب مخالفة الرماة أمر رسول الله ﷺ.
١١ ــ ومع كل ما فعله المشركون برسول الله ﷺ يوم أحد فإنه لم يدع عليهم، بل لقد طمع في هدايتهم وإسلامهم، وقال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (^١).