قال المصنف: «ومشى ﷺ في موضعِ المعركة، وجعل يُرِيهم مَصَارعَ رؤُوسِ القومِ واحدًا واحدًا، ويقول: «هذا مصرعُ فلانٍ غدًا إن شاء الله، وهذا مصرعُ فلانٍ، وهذا مصرعُ فلان». قال عبد الله بن مسعود: فوالذي بعثهُ بالحقّ ما أخطأ واحدٌ منهم موضعَهُ الذي أشار إليه رسُولُ الله ﷺ.
وبات رسُولُ الله ﷺ تلك الليلة يُصلّي إلى جَذْم شجرة (^١) هناك، وكانت ليلة الجمعة السابع عشرَ من رمضان، فلمَّا أصبح وأقبلت قريشٌ في كتائبها، قال ﷺ: «اللهم هذه قريشٌ قد أقبلت في فخرها وخُيلائها، تُحادَّك وتُحادَّ رسُولَك».
ورام حَكِيم بن حِزام وعتبة بن ربيعة أن يرجعا بقريشٍ فلا يكونُ قتالٌ، فأَبى ذلك أبو جهل، وتقاول هو وعتبة، وأَمَرَ أبو جهلٍ أخا عمرو بن الحضرمي أن يطلب دمَ أخيه عمرو، فكشفَ عن إِسته وصرخ: واعمراه! واعمراه! فحمي القومُ ونَشِبَتْ الحربُ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تحديده ﷺ ليلة المعركة مصارع رؤوس قريش مخرج في صحيح مسلم بنحوه (^٢). وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ حيث أخبر بأمر مستقبل غيبي ووقع كما أخبر به.
_________________
(١) أصل شجرة.
(٢) صحيح مسلم «١٧٧٩»، من حديث أنس بن مالك.
[ ١٣٩ ]
٢ ــ وقوله ﷺ: «اللهم هذه قريش قد أقبلت في فخرها وخيلائها .. إلى آخره»: ذكره ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (^١).
٣ ــ ومحاولة عتبة بن ربيعة الرجوع بالجيش وإصرار أبي جهل على القتال مخرج في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح ضمن سياق طويل (^٢).
٤ ــ وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ بات ليلة المعركة وهو يصلّي ويبتهل إلى الله تعالى ويهتف به ويتضرع له بالدعاء والنصر، ويقول: «أللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» (^٣). وفي هذا دلالة على أهمية الدعاء والتضرع إلى الله بعد الأخذ بالأسباب الواجبة.