قال المصنف: «ولبثَ المشركونَ محاصرينَ رسُولَ الله ﷺ شهرًا، ولم يكن بينهم قتالٌ لأجلِ ما حالَ الله به من الخندقِ بينه وبينهم، إلا أن فوارسَ من قريشٍ منهم عمرو بن عبد وُدّ العامري وجماعةٌ معه أقبلوا نحو الخندقِ، فلما وقفوا عليه قالوا: إن هذه لمكيدةٌ ما كانت العربُ تعرفُها.
ثم يمموا مكانًا ضيقًا من الخندقِ فاقتحموه وجازوه، وجالتْ بهم خيلُهم في السبخةِ بين الخندقِ وسَلْعٍ ودعوا للبِرَازِ. فانتدبَ لعمرو بنِ عبدِ ودّ عليُّ بن أبي طالب ﵁ فبارزه فقتله الله على يديه. وكان عمرٌو لا يُجَارى في الجاهلية شجاعةً، وكان شيخًا قد جاوز المائة يومئذٍ، وأما الباقون فينطلقون راجعينَ إلى قومِهم من حيث جاؤوا.
وكان هذا أولُ ما فتحَ الله به من خِذلانهم. وكان شعارُ المسلمين تلك الغزوة: حم لا ينصرون».
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢١.
(٢) صحيح البخاري «٤١١٣»، صحيح مسلم «٢٤١٥».
[ ٢٠٣ ]
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف من مدة الحصار تبع فيه شيخه ابن القيم (^١)، وثَبَتَ عن ابن المسيّب أنه قال: "حاصر النبيَّ ﷺ المشركون في الخندق أربعًا وعشرين ليلة" (^٢). والخلاف في هذا يسير.
٢ ــ ولم يقع قتال واسع بين الطرفين بسبب حيلولة الخندق بينهما كما أشار المصنف، لكنه وقع بينهم تراشق بالنبال من وراء الخندق قُتل وأُصيب بسببه رجال من الجيشين، منهم سعد بن معاذ ﵁؛ أصيب بسهم في أكحله فاستشهد بعد المعركة بوقت قصير (^٣).
٣ ــ ومبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ودّ وقتله إياه ذكره ابن إسحاق وابن سعد بدون إسناد (^٤).
٤ ــ وما ذكره المصنف أن شعار المسلمين يومها: "حم لا ينصرون" أخرجه النسائي في الكبرى بإسناد حسن (^٥).
٥ ــ وفي مبارزة عليّ لعمرو بن عبد ودّ دليل على جواز المبارزة خلافًا لمن أنكرها، كالحسن البصري، وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق للجواز
_________________
(١) زاد المعاد ٣/ ٢٤٣.
(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٥٦.
(٣) صحيح البخاري «٤٦٣»، صحيح مسلم «١٧٦٩». والأكحل: وريد في وسط الذراع.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٥، طبقات ابن سعد ٢/ ٥١.
(٥) السنن الكبرى «٨٨١٠»، وإسناده حسن، وهو عند أبي داود «٢٥٩٧»، والترمذي «١٦٨٢» بإسناد صحيح، لكن ليس عندهما التصريح أن ذلك كان في غزوة الخندق.
[ ٢٠٤ ]
إذن أمير الجيش (^١).