قال المصنف: «فلمَّا كانت ليلةُ هَمَّ المشركونَ بالفتكِ برسُولِ الله ﷺ، وأَرصَدُوا على البابِ أقوامًا، إذا خَرَجَ عليهم قتلُوه، فلمَّا خَرَجَ عليهم لم يرهُ منهم أحدٌ.
وقد جاء في حديث أنه «ذَرَّ على رأسِ كلّ واحدٍ منهم ترابًا». ثم خَلُص إلى بيت أبي بكر ﵁، فخرجا من خَوْخَةٍ (^١) في دار أبي بكرٍ ليلًا، وقد استأجرا عبدَ الله بن أُرَيْقط، وكان هاديًا خِرّيتًا (^٢)، ماهرًا بالدَّلَالة إلى أرضِ المدينة، وأمِنَاه على ذلك مع أنه كان على دينِ قومه، وسلّما إليه راحلتيهما، وواعداه غارَ ثَوْرٍ (^٣) بعد ثلاثٍ. فلمَّا حصلا في الغار عَمَّى الله على قريشٍ خبرَهما، فلم يدروا أين ذهبا.
وكان عامرُ بنُ فُهيرة يُريح (^٤) عليهما غنمًا لأبي بكرٍ، وكانت أسماءُ أبنةُ أبي بكرٍ تحمل لهما الزادَ إلى الغار، وكان عبد الله بنُ أبي بكر يتسمَّعُ ما يُقال بمكة ثم يذهبُ إليهما بذلك فيحتَرِزَان منه».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حاصل ما ذكره المصنف أن قريشًا كانت قد همّت بقتل النبي ﷺ
_________________
(١) الخوخة: باب صغير في ظهر البيت.
(٢) الخرِّيت: الماهر العارف بالطريق.
(٣) غار ثور: يقع في جبل ثور، وهو جبل جنوب مكة، عال يرى من جميع نواحيها المرتفعة.
(٤) يرجع بها ليلًا.
[ ٩٢ ]
والخلاص منه قبل أن يخرج إلى أنصاره في المدينة، فجاءه جبريل وأعلمه بما دبّرت قريش، وأمره أن يغادر مكة وقال له: "لا تبت هذه الليلة على فراشك" (^١).
٢ ــ وقد أُرّخ خروجه ﷺ من مكة بليلة (٢٧) من شهر صفر، سنة: (١٣) من البعثة، حيث توجه هو وأبو بكر إلى غار ثور، وبقيا فيه ثلاث ليالٍ قبل أن يتوجها بعدها إلى المدينة (^٢).
٣ ــ وقوله: "وقد جاء في حديث أنه «ذَرَّ على رأس كلّ واحد منهم ترابًا» ": قلت: أخرجه ابن إسحاق بإسناد حسن بالشواهد (^٣).
وهي معجزة باهرة للنبي ﷺ حيث لم يشعروا به حين وضع التراب على رؤوسهم ومرّ من أمامهم.
٤ ــ وقوله: "وقد استأجرا عبدَ الله بن أُرَيْقط وكان هاديًا خِريتًا .. ": هذا مخرج في الصحيح (^٤)، لكن دون التصريح باسمه، وإنما رجل من بني الدّيل، وقد سماه ابن إسحاق في السيرة (^٥).
وفيه دليل على جواز استعانة المسلم بغير المسلم عند الحاجة أو الضرورة، وقد تقدمت المسألة بشواهدها مرارًا.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٨٢، وحسنه الصوياني في الصحيح من أحاديث السيرة ص ١٤١.
(٢) فتح الباري ٧/ ٢٤٤.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٩١، وقد حسنه بمجموع طرقه وشواهده: العلي في صحيح السيرة النبوية ص ١٢١.
(٤) صحيح البخاري «٢٢٦٣».
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٤٨٥.
[ ٩٣ ]
٥ ــ كما يؤخذ من هجرة النبي وأبي بكر سرًا، واختبائهما في الغار مشروعية الأخذ بالأسباب من الحيطة والحذر، وأن هذا لا يتنافى مع كمال التوكل على الله ﷿.