قال المصنف: «فلمَّا اشتدَّ البلاءُ أذِنَ الله سبحانه لهم في الهجرةِ إلى أرضِ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك «٥٦٤٦»، وصححه الألباني في تعليقه على فقه السيرة ص ١١١.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٣١٩، مستدرك الحاكم «٣٩٤٢»، وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٣) صحيح البخاري «٣٧٥٤».
(٤) سنن ابن ماجه «٤٠٢٣» وصححه شعيب الأرناؤوط.
[ ٥٥ ]
الحَبَشةِ (^١)، فكان أولُ من خرجَ فارًا بدينهِ إلى الحَبَشة عثمانُ بنُ عفان ﵁، ومعه زوجته رقية بنت رسُولِ الله ﷺ، وتبعه الناس.
ثم خرجَ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ وجماعاتٌ ﵃ وأرضاهم، وكانوا قريبًا من ثمانين رجلًا. فانحاز المهاجرون إلى مملكة أَصْحَمَة النجاشي، فآواهم وأكرمهم، فكانوا عنده آمنين».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ أخذ المصنف يتحدث عن هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة، وقد ذكر أهل السير أنها بدأت في شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة (^٢).
٢ ــ وكان سببها أن النبي ﷺ عندما رأى ما كان ينزل بأصحابه من العذاب والفتنة، ورأى أنه غير قادر على حمايتهم ومنعم، أشار عليهم بالخروج إلى بلاد الحبشة، وقال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحدٌ، حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه» (^٣).
٣ ــ وقد جاء في البخاري ما يدل على أن هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة كانت مرتين (^٤). وأوضح ذلك أهل السير فقالوا: إنهم كانوا في البداية أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، وتسمّى هجرة الحبشة الأولى، ثم إنهم رجعوا إلى مكة بعد أن
_________________
(١) البلد المعروف في إفريقية، ويسمّى اليوم أثيوبية.
(٢) فتح الباري ٧/ ١٨٨.
(٣) سيرة ابن إسحاق ص ١٧٤، والبيهقي في السنن ٩/ ٩، وصححه الألباني في الصحيحة «٣١٩٠».
(٤) صحيح البخاري «٣٨٧٢»، وانظر فتح الباري ٧/ ١٨٩.
[ ٥٦ ]
بلغتهم أخبار كاذبة بإسلام قريش، فلمّا رأوا أن الحال لم تتغير هاجروا مرة ثانية، وكانوا في هذه المرة نحوًا من ثمانين رجلًا وتسع عشرة امرأة (^١).
٤ ــ وأَصْحَمَة المذكور هو: أَصْحَمَة بن أبحر، والنجاشي لقبٌ له، وقد ثبت أنه آمن بالنبي ﷺ، وظل في بلاده حتى مات، فصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب، وكبَّر عليه أربعًا، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة (^٢).
٥ - وفي اختياره ﷺ للحبشة دون غيرها دليل على معرفته بأحوال البلدان والدول وما كان يجري فيها، وما يصلح منها وما لا يصلح.
٦ ــ وقد أثني النبي ﷺ على الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، وقال لهم كما في الحديث الصحيح: «لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان» (^٣).
وعند ابن سعد بإسناد صحيح كما قال ابن حجر أن أسماء بنت عُميس قالت: يا رسول الله! إن رجالًا يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأوّلين؟ فقال ﷺ: «بل لكم هجرتان، هاجرتم إلى أرض الحبشة، ثم هاجرتم بعد ذلك» (^٤).
٧ - وقد أخذ العلماء من هذه الحادثة وجوب هجرة المسلم من البلد الذي يمنع فيه من إقامة شعائر دينه، من صلاة وصيام ونحوهما، إن كان قادرًا على الهجرة.
_________________
(١) زاد المعاد ٣/ ٢٦.
(٢) صحيح البخاري «١٢٤٥»، صحيح مسلم «٩٥١».
(٣) صحيح البخاري «٣٨٧٦»، من حديث أبي موسى الأشعري.
(٤) طبقات ابن سعد ٨/ ٢١٩، فتح الباري ٧/ ٤٨٦.
[ ٥٧ ]
وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة (^١). لأن الدين هو أغلى ما يملكه المسلم وما يجب المحافظة عليه.