قال المصنف: «وكان مما صَنَعَ الله لأنصاره من الأوسِ والخزرجِ أنهم كانوا يسمعُون من حُلفائهم من يهودِ المدينةِ أن نَبِيًّا مبعوثٌ في هذا الزمن، ويتوعَّدُونَهم به إذا حارَبُوهم، ويقولون: إنا سنقتلكم معه قَتْلَ عادٍ وإِرم، وكان الأنصارُ يحجُّون البيتَ، كما كانت العربُ تحجَّه، وأما اليهود فلا. فلما رأى الأنصارُ رسُولَ الله ﷺ يدعو الناسَ إلى الله تعالى، ورأوا أماراتِ الصّدْقِ عليه قالوا: والله هذا الذي توعَّدكم يهودُ به فلا يسبِقُنَّكم إليه».
الكلام عليه من وجهين:
١ ــ ما أورده المصنف من سبب مسارعة الأنصار في دخول الإسلام وأنهم كانوا يجاورون يهود بالمدينة ويسمعون منهم أن نبيًا قد أظل زمان خروجه إلى آخره .. هذا ذكره ابن إسحاق في السيرة بإسناد حسن من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه (^١).
_________________
(١) سيرة ابن إسحاق ص ٨٤، وحسَّن إسناده الدكتور أكرم العُمري في السيرة النبوية الصحيحة ١/ ١٢٢، والعلي في صحيح السيرة النبوية ص ١٠٥، وصححه الصوياني في الصحيح من أحاديث السيرة النبوية ص ١٠٦.
[ ٧٩ ]
٢ ــ ويضاف إلى هذا سببان آخران ساعدا في إسراع دخول الأنصار في الإسلام؛ أولهما: أن الأنصار كانوا وقتها يعانون فتننًا كبيرة وحروبًا حادة بين الأوس والخزرج، وقد مات بسببها كثيرٌ من أشرافهم وأعيانهم، فكانوا يأملون أن تنتهي هذه الحروب بدخولهم في الإسلام.
يشهد لذلك قول الأنصار يومها للنبي ﷺ: "إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك" (^١).
والسبب الثاني: ما طبع عليه الأوس والخزرج من رقة الطبع ولين الجانب والبعد عن المغالاة في الكبرياء.
فقد كانت أصولهم ترجع إلى اليمن الذين وصف النبي ﷺ أهلها بقوله: «أتاكم أهل اليمن، أرق أفئدة وألين قلوبًا» (^٢).