قال المصنف: «وفي صَفَرَ هذا بَعَثَ إلى بئرِ مَعُونة أيضًا، وذلك أن أبا بَراء عامر بن مالك المدعو مُلاعب الأسنة، قَدِمَ على رسُولِ الله ﷺ المدينة فدعاه إلى الإسلامِ فلم يُسلم ولم يُبعد. فقال: يا رسُولَ الله! لو بعثتَ أصحابَك إلى أهلِ نجدٍ يدعونهم إلى دينكَ لرجوتُ أن يجيبوهم، فقال: «إني أخافُ عليهم أهلَ نجدٍ»، فقال أبو بَراء: أنا جارٌ لهم.
فبَعَثَ ﷺ فيما قاله ابن إسحاق: أربعين رجلًا من الصحابة (^٢)، وفي الصحيحين: سبعين رجلًا (^٣)، وهذا هو الصحيح. وأمَّر عليهم المُنذر بن عمرو ﵃ أجمعين، وكانوا من فُضلاءِ المسلمينَ وسادتِهم وقرائِهم، فنهضُوا فنزلُوا بئرَ مَعُونة، ثم بعثوا منها حرام بن مِلْحَان أخا أم سُليم بكتاب رسُولِ الله ﷺ إلى عدوّ الله عامرِ بن الطُّفيل، فلم ينظُر فيه، وأمر به فقتله رجلٌ، ضربه بحربة، فلمَّا خرج الدمُ، قال: فزتُ وربّ الكعبةِ. واستنفرَ عدوُّ الله عامرٌ: بني عامرٍ إلى
_________________
(١) بئر معونة موضع في نجد على بعد (١٦٠) كيلًا عن المدينة.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ١٨٤.
(٣) صحيح البخاري «٤٠٨٤»، صحيح مسلم «٦٧٧».
[ ١٨١ ]
قتال الباقين، فلم يجيبوهُ، لأجل جوار أبي بَراء، فاستنفر بني سُليم فأجابته عُصيةُ ورِعْلٌ وذكوانَ، فأحاطوا بأصحابِ رسُولِ الله ﷺ، فقاتلوا حتى قُتلوا عن آخرهم ﵃، إلا كعب بن زيد من بني النجار فإنه ارتُثَّ (^١) من بين القتلى. وكان عمرو بن أمية الضمريّ والمُنذر بن محمد بن عقبة في سَرحِ المسلمين، فرأيا الطيرَ تحومُ على موضعِ الوقعة، فنزل المُنذر بن محمد هذا فقاتل المشركين حتى قُتل مع أصحابه، وأُسر عمرو بن أمية، فلما أخبر أنه من مُضَر جَزَّ عامرٌ ناصيته وأعتقه فيما زعم عن رقبة كانت على أمّه.
ورجع عمرو بن أُمية، فلمَّا كان بالقرقرة من صَدر قناة نزلَ في ظلّ، ويجيء رجلانِ من بني كلاب، وقيل من بني سُليم فنزلا معه فيه، فلما ناما فتك بهما عمرٌو وهو يرى أنه قد أصاب ثأرًا من أصحابِه، وإذا معهما عهْد من رسُولِ الله ﷺ لم يشعر به.
فلما قَدِمَ أخبرَ رسُولَ الله ﷺ بما فعل، قال: «لقد قتلتَ قتيلين لأدينَّهما». وكان هذا سببُ غزوة بني النَّضير هذا الصحيح».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حادثة بئر معونة مخرجة في الصحيحين مع زيادات ونقص عن سياق المصنف (^٢).
٢ ــ وقد كان بين هذه المأساة وبين مأساة الرجيع السابقة أيامٌ قليلة (^٣).
_________________
(١) حمل من المعركة جريحًا وبه رمق.
(٢) انظر جميع ألفاظ الصحيحين في جامع الأصول «٦٠٨٧».
(٣) فتح الباري ٧/ ٣٨٠.
[ ١٨٢ ]
٣ ــ وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ ظلَّ يقنتُ شهرًا يدعو على تلك القبائل التي غدرت بالقرّاء، وكان يلعنهم ويقول كما في لفظ مسلم: «اللهم العن لحيانَ ورِعْلًا وذكْوان، وعُصيَّةَ عَصَت الله ورسوله، قال: ثم بلغَنَا: أنه ترك ذلك لما أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]» (^١).
٤ ــ وقد دلت الحادثة على استحباب القنوت في الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة أو بليّة أو ضرر ظاهر والعياذ بالله، هذا قول جمهور العلماء (^٢).
٥ ــ كما دلت على جواز لعن الكافرين عمومًا، وأما الكافر المعيّن فالجمهور على المنع لهذه الحادثة (^٣).
٦ ــ كذلك دلت على عظم ما كان يقدّمه أصحابُ رسول الله ﷺ من تضحيات في سبيل نشر الدعوة إلى الله ﷿.
٧ ــ ثم إن الله ﷿ سلّط على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فأهلكه (^٤)!!
٨ ــ كما أن في الحادثتين الماضيتين دليل على ما كانت تفيض به قلوب المشركين من حقد وضغينة وغدر تجاه المسلمين.
_________________
(١) صحيح مسلم «٦٧٥».
(٢) الفقه الإسلامي وأدلته ٢/ ١٠٠٨.
(٣) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ٤/ ٥٠٨.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٥٦٩.
[ ١٨٣ ]
فصل