قال المصنف: «ثم بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ عبدَ الله جَحْش بن رِئاب الأسديّ وثمانية من المهاجِرينَ، وكَتَبَ له كتابًا، وأمَرَه ألا ينظُر فيه حتى يسيرَ يومينِ، ثم ينظُر فيه، ولا يُكره أحدًا من أصحابه، فَفعلَ.
ولما فتح الكتاب وجد فيه: «إذا نظرتَ في كتابي هذا فامضِ حتى تنزِلَ نَخْلَة
_________________
(١) بين مكة والطائف وترصُد بها قريشًا، وتَعْلَمَ لنا من أخبارهم»، فقال: سمعًا وطاعةً، وأخبَر أصحابَه بذلك، وبأنَّه لَا يستكرهُهُم، فمن أحبَّ الشهادة فلينهض، ومن كرِه الموتَ فليرجعْ، وأما أنا فناهضٌ، فنهضوا كلُّهم. فلما كان في أثناء الطريق أضلّ سعدُ بنُ أبي وقَّاص وعتبةُ بنُ غزوانَ بعيرًا لهما كانا يعتقبانِهِ فتخلَّفا في طلبهِ، وتقدَّم عبدُ الله بن جَحْشٍ حتى نزل بنَخلَة، فمرَّت به عيرٌ لقريشٍ تحملُ زبيبًا وأَدَمًا وتجارة، فيها عمرُو بن الحضرميّ وعثمانُ ونوفلُ ابنا عبد الله بن المُغيرة، والحَكَمُ بنُ كيْسان مولى بني المُغيرة. فتشاورَ المسلمون وقالوا: نحنُ في آخرِ يومٍ من رجبٍ الشهر الحرام، فإن قاتلناهُم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهُم الليلة دخلُوا الحرم، ثم اتفقوا على مُلاقاتهم، فرمى أحدُهم عمرَو بن الحضرميّ فقتلَه، وأسروا عثمانَ والحَكَمَ، وأفلتَ
[ ١٢٥ ]
نوفلٌ. ثم قدمُوا بالعير والأسيرين قد عزلوا من ذلك الخمس. فكانت أولُ غنيمةٍ في الإسلام، وأولُ خُمُسٍ في الإسلام، وأولُ قتيلٍ في الإسلام، وأولُ أسيرٍ في الإسلام.
إلَّا أن رسُولَ الله ﷺ أنكرَ عليهم ما فعلوه، وقد كانوا ﵃ مجتهدين فيما صَنَعوا.
واشتدَّ تعنُّتُ قريشٍ وإِنكارُهم ذلك، وقالوا: محمدٌ قد أحلَّ الشهرَ الحرامَ، فأنزلَ الله ﷿ في ذلك ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، يقول سبحانه: هذا الذي وَقَعَ وإن كان خطأً، لأن القتالَ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ عند الله، إلَّا أن ما أنتُم عليه أيها المشركونَ من الصَّدّ عن سبيلِ الله والكفرِ به وبالمسجدِ الحرام، وإخراجِ محمدٍ وأصحابِه الذين هم أهلُ المسجدِ الحرامِ في الحقيقةِ أكبرُ عند الله من القتالِ في الشهرِ الحرامِ.
ثم إن رسُولَ الله ﷺ قَبِلَ الخُمُسَ من تلك الغنيمة، وأخذ الفِدَاءَ من ذينك الأسِيرينِ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ سرية عبد الله بن جحش أوردها ابن إسحاق في السيرة (^١)، وقال ابن حجر: "حديث مرسل، أخرجه ابن إسحاق في المغازي، وإسناده قوي، وله شاهد موصول بإسناد حسن" (^٢).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٠١.
(٢) موافقة الخُبر الخبر لابن حجر ١/ ٣٨٤، وكذا قال بنحوه في تغليق التعليق ٢/ ٧٦.
[ ١٢٦ ]
٢ ــ وقد وقعت هذه الحادثة قبل غزوة بدر بشهرين (^١).
٣ ــ وفي هذه السرية تتجلى دقة ومهارة النبي ﷺ العسكرية في جوانب عدة، منها: أمره للسرية بالذهاب إلى نخلة وهي مكان بعيد، وذلك لأن قريشًا كانت تجتهد في إخفاء أخبار قوافلها عن أهل المدينة، فغلبهم النبي ﷺ على حذرهم وأراد أخذ أخبارهم من أقرب مكان من مكة.
٤ ــ ومنها: عدم إخباره ﷺ السرية بمقصده من إرسالهم ووجهتهم إلا بعد يومين من مغادرتهم المدينة حذرًا من إشاعة الخبر، فربما نقله أحد المنافقين أو اليهود إلى قريش، فتترصدهم في ذاك المكان النائي عن المدينة، وهم قِلَّة فيقتلونهم (^٢).
_________________
(١) تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ١/ ١٣٠.
(٢) السيرة النبوية لأبي شهبة ٢/ ١١٩.
[ ١٢٧ ]
فصل