قال المصنف: «واشترى رسُولُ الله ﷺ موضعَ المسجد، وكان مِرْبَدًا (^٤) ليتيمين، وبناه مسجدًا، فهو مسجده الآن، وبُني لآل رسُولِ الله ﷺ حُجَرًا إلى جانبه. وأما عليٌّ ﵁ فأقامَ بمكة ريثما أدَّى عن رسُولِ الله ﷺ الودائعَ التي كانت عنده وغيرَ ذلك، ثم لَحِقَ برسُولِ الله ﷺ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "واشترى رسول الله موضع المسجد": هذا ثابت في الصحيحين عن أنس بن مالك، ولفظه: «لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أمر ببناء المسجد، وقال: «يا بني النَّجار ثامنوني بِحائطكم هذا» قالُوا: لا الله لا نطلب ثمنه إلا إلى
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٩٠٦».
(٢) صحيح البخاري «٣٩١١»، وصحيح مسلم «٢٠٥٣».
(٣) طبقات ابن سعد ١/ ١٨٣.
(٤) محلًا لتجفيف التمر.
[ ١٠٧ ]
الله، فأبى رسولُ الله أن يقْبله منهما هِبةً حتى ابتاعه منهما» (^١).
٢ ــ وقد كان في أرض المسجد عند شرائها قبور قديمة للمشركين وخِرَب ونخل، فأمر ﷺ بالقبور فنبشت، وبالخِرَب فهدمت، وبالنخل فقطع، وجعل في قِبلة المسجد (^٢).
٣ ــ وقد اشترك ﷺ مع أصحابه في بناء المسجد بيده الشريفة، وكان ينقل معهم الحجارة، وكانوا ينشدون أثناء البناء وهم في سعادة وسرور:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
٤ ــ وفي هذه المشاركة صورة من صور تواضعه الجم ﷺ ومساواة نفسه بأصحابه في تحمّل المسؤوليات عندما يحمل معهم الحجارة ويشاركهم العمل بيده، ولا يكتفي بالتوجيه العام أو المشاركة الرمزية كما يفعل الزعماء عادة.
٥ ــ وفي بدء النبي ﷺ ببناء المسجد بمجرد وصوله إلى المدينة دليل على أهمية دور المسجد في الإسلام ومكانته العظيمة، فالمسجد هو بيت الله، ودار العبادة، ومعهد العلم، وفيه يلتقي المسلمون كل يوم خمس مرات فيتعارفوا ويتآلفوا، وهو محور كل مجتمع إسلامي وعلامته الفارقة.
_________________
(١) صحيح البخاري واللفظ له «٢٧٧٤، ٣٩٠٦»، صحيح مسلم «٥٢٤».
(٢) صحيح البخاري «٤٢٨»، صحيح مسلم «٥٢٤».
[ ١٠٨ ]
فصل