قال المصنف: «وكثُر الإسلامُ بالمدينةِ وظَهَرَ، ثم رجعَ مصعبٌ إلى مكة، ووافى الموسمَ ذلك العام خلقٌ كثيرٌ من الأنصارِ من المسلمين والمشركين، وزعيمُ القوم البراءُ بنُ مَعرورٍ ﵁. فلما كانت ليلة العقبة ـــ الثلثُ الأولُ منها ـــ تسلَّلَ إلى رسُولِ الله ﷺ ثلاثةٌ وسبعونَ رجلًا وامرأتان، فبايعوا رسُولَ الله ﷺ خُفْية من قومهم، ومن كفارِ مكة، على أن يمنعُوه مما يمنعُون منه نساءَهم وأبناءَهم وأُزُرَهم، وكان أولَ من بايعه ليلتئذٍ البراءُ بنُ مَعرور، وكانت له اليدُ البيضاء، إذ أكّد العَقْدَ وبادرَ إليه.
وحضرَ العبَّاسُ عمُّ رسُولِ الله ﷺ موثّقًا مؤكدًا للبيعةِ، مع أنه كان بعدُ
_________________
(١) سنن أبي داود «١٠٦٩».
(٢) سنن ابن ماجه «١٠٨٢».
(٣) فتح الباري ٢/ ٣٥٥.
(٤) أسد الغابة ١/ ٢٠٥.
[ ٨٦ ]
على دينِ قومِه. واختار رسُولُ الله ﷺ منهم تلك الليلة اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج، ومن الأوس ثلاثة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ تسمَّى هذه البيعة: بيعة العقبة الثانية، وخلاصتها: أنه في موسم حجّ السنة (١٣) من البعثة، وبعد انتشار الإسلام بالمدينة، تلاوم الأنصار فيما بينهم، وقالوا: "حتى متى نترك رسول الله ﷺ يُطرد في جبال مكة"! فقدم منهم إلى موسم الحج (٧٣) رجلًا وامرأتان، متخفين مع قومهم من المشركين، فالتقوا بالنبي ﷺ سرًا عند جمرة العقبة الأولى، في أوسط أيام التشريق، فبايعوه على الهجرة إليهم، وعلى الولاء والنصرة له، وعلى أن يحموه مما يحمون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم (^١).
٢ ــ وقد ذكر المصنف أن العبَّاس بن عبد المطلب كان ممن حضر البيعة من أجل أن يستوثق لابن أخيه، وكان يريد أيضًا أن يوضح للأنصار خطورة قرارهم هذا وعِظَم المسئولية التي سيتحملونها بسببه.
٣ ــ وكان من جملة ما قاله العبَّاس ليلتها: "يا معشر الخزرج ـــ وكانت العرب يسمون الأنصار الخزرج، لخزرجها وأوسها ـــ: إن محمدا منّا حيثُ قد علمتم، قد منعناه من قومنا، فهو في عزّ في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحاق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له فأنتم وما تحملتم، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد أن يخرج إليكم فمن الآن فدعوه. فقالوا: قد سمعنا يا رسول الله
_________________
(١) ينظر تفاصيل هذه البيعة في سيرة ابن هشام ١/ ٤٣٨.
[ ٨٧ ]
فخذ لنفسك ولربك ما أحببت" (^١).
٤ ــ وفي الحادثة دليل على فضل أولئك النفر من الأنصار الذين أسلموا وبايعوا النبي ﷺ في العقبة الأولى والثانية وما ترتب على بيعتهم من انتشار الإسلام في المدينة وتمهيد هجرة النبي ﷺ إليها بعد ذلك.