قال المصنف: «ثم إن بني قريظة نزلوا على حُكم رسُولِ الله ﷺ. ولما نزلوا على حكمه ﷺ، قالت الأوسُ: يا رسُولَ الله، قد فعلتَ في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخوتنا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فقال: «ألا ترضَون أن يحكم فيهم رجلٌ منكم؟» قالوا: بلا. قال: «فذاك إلى سعد بن معاذ».
وكان سعدٌ إذ ذاك قد أصابه جرحٌ في أكحلِه، وقد ضربَ له رسُولُ الله ﷺ خيمةً في المسجدِ، ليعوده من قريبٍ، فبعثَ إليه ﷺ فجيء به وقد وطَّؤوا له على حمارٍ، وإخوتُه من الأوس حوله مُحيطون به، وهم يقولون: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك، فلما أكثروا عليه، قالَ: لقد آن لسعدٍ أن لا تأخذه في الله لومة لائم!
فرجعَ رجالٌ من قومهِ إلى بني عبد الأشهل فنَعوا إليهم بني قُريظة. فلمَّا دنا من رسُولِ الله ﷺ، قال: «قوموا إلى سيّدكم»، فقام إليه المسلمونَ، فقالوا: يا سعدُ! قد ولَّاك رسُولُ الله ﷺ الحكمَ في بني قُريظة، فقال: عليكم بذلك عهدُ الله وميثاقُه
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ٤١٣.
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٤.
(٣) البداية والنهاية ٦/ ٩١.
[ ٢١٤ ]
أن الحكمَ فيهم كما حكمتُ؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من هاهنا؟ وأشارَ إلى الناحيةِ التي فيها رسُولُ الله ﷺ، وهو معرضٌ عن رسُولِ الله ﷺ إجلالًا له، فقال رسُولُ الله ﷺ: «نعم».
فقال سعدٌ: إني أحكمُ فيهم أن تُقتل مُقاتِلتهُم، وتُسبى ذراريهم. فقال رسُولُ الله ﷺ: «لقد حكمتَ فيهم بحكمِ الله من فوقِ سبعةِ أرقعةٍ»».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حادثة حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ثابت في الصحيحين (^١) باختصار، وهو عند ابن إسحاق مطولًا على نحو ما ذكره المصنف (^٢).
٢ ــ وهذه الحادثة تدل كما قال الإمام النووي على: "جواز التحكيم في أمور المسلمين وفي مهماتهم العظام، وقد أجمع العلماء عليه ولم يخالف فيه إلا الخوارج فإنهم أنكروا على عليّ التحكيم وأقام الحجة عليهم" (^٣).
٣ ــ وقوله ﷺ: «قوموا إلى سيدكم» ثابت في الصحيحين (^٤)، وقد استدل به جمهور العلماء على استحباب إكرام أهل الفضل والقيام لهم إذا أقبلوا، قالوا: وليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون على الرجل وهو جالس، ويمثلون قيامًا طوال جلوسه كما أفاده الإمام النووي (^٥).
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٠٤٣»، صحيح مسلم «١٧٦٩».
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٢٣٩.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٩٢.
(٤) صحيح البخاري «٣٠٤٣»، صحيح مسلم «١٧٦٨».
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٩٣.
[ ٢١٥ ]