قال المصنف: «وعدَّل رسُولُ الله ﷺ الصفوفَ، ثم رجعَ إلى العَريشِ هو وأبو بكر وحده، وقام سعدُ بنُ معاذٍ وقومٌ من الأنصار على بابِ العَريشِ يحمون رسُولَ الله ﷺ.
وخرجَ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ثلاثتُهم جميعًا يطلبون البِرَازَ، فخرج إليهم من المسلمينَ ثلاثةٌ من الأنصار، وهم: عوفٌ ومعوّذٌ ابنا عفراء، وعبدُ الله بنُ رواحة، فقالوا لهم: من أنتم؟ فقالوا: من الأنصارِ، فقالوا:
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٢١، وأشار الذهبي إلى ضعفه بقوله في تاريخ الإسلام ١/ ٦٦: «فيما زعموا».
(٢) صححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند «٩٤٨».
(٣) صحيح مسلم «١٧٩٣».
[ ١٤٠ ]
أكفاءٌ كرامٌ، وإنما نريدُ بني عمّنا.
فبرزَ لهم عليٌّ وعبيدة بن الحارث وحمزة ﵃، فقَتَلَ عليٌّ الوليدَ، وقَتَلَ حمزةُ عتبة، وقيل: شيبة، واختلف عُبيدة وقِرْنُه بضربتين، فأجهد كل منهما صاحبَهُ، فَكَرَّ حمزةُ وعليٌّ فتمَّما عليه، واحتملا عُبيدة وقد قُطِعَتْ رجلُهُ، فلم يزل طَمِثًا (^١) حتى مات بالصَّفراء ﵁.
ثم حَمِيَ الوطيسُ، واشتدَّ القتالُ، ونزلَ النَّصرُ، واجتهد رسُولُ الله ﷺ في الدُّعاء، وابتهلَ ابتهالًا شديدًا، حتى جعل رداؤه يسقُط عن منكبيهِ، وجعل أبو بكرٍ يُصلحه عليه، ويقول: يا رسُولَ الله! بعض مناشدَتك ربك (^٢)، فإنه منجزٌ لك ما وعدك.
ورسُولُ الله ﷺ يقول: «اللهم إن تَهلِك هذه العصابة لا تعبد في الأرضِ»، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، ثم أَغْفَى رسُولُ الله ﷺ إغفاءةً، ثم رفعَ رأسه وهو يقول: «أَبشرْ يا أبا بكرٍ، هذا جبريلُ على ثناياه النقعُ»».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مبارزة عليّ وحمزة وعبيدة ﵃ لعتبة وشيبة والوليد مخرجة في سنن أبي داود بإسناد صحيح (^٣). وفيه دليل على جواز المبارزة خلافًا لمن أنكرها، وشرط
_________________
(١) ينزف دمًا.
(٢) هكذا في نسخ الفصول المطبوعة، والذي في الصحيح: "كفاك مناشدتك ربك". صحيح مسلم «١٧٦٣».
(٣) صححه الألباني في صحيح أبي داود «٢٦٦٥»، وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه لسنن أبي داود.
[ ١٤١ ]
الثوري وأحمد وإسحاق للجواز إذن أمير الجيش (^١).
٢ ــ وقول أبي بكر: "كفاك يا رسول الله مناشدتك ربك"، وقوله ﷺ: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»، ومشاركة الملائكة في القتال، كلُّه مخرج في صحيح مسلم ضمن سياق طويل (^٢).
٣ ــ وقد جاء في القرآن الكريم أن الله ﷿ أمدّ المؤمنين بألف من الملائكة، ثم جعلهم ثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف (^٣).
٤ ــ وعن حكمة مشاركة الملائكة في القتال بهذا العدد مع أن جبريل وحده قادرٌ على إهلاك المشركين جميعًا بأمر الله، فقد أوضحه العلامة السُّبكي بقوله: "وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي ﷺ وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده. والله تعالى هو فاعل الجميع والله أعلم" (^٤).
والظاهر أن مشاركة الملائكة كانت محدودة جدًا، وبقوة تتناسب مع قدرة البشر، وأغلبها كان من باب التأييد المعنوي، وأما الجهد الأكبر فإنما كان على عاتق المسلمين كما هي سنة الله ﷿ في الكون.