قال المصنف: «وأُسري برسُولِ الله ﷺ يجسدِه على الصحيح من قولي الصحابةِ والعلماءِ، من المسْجدِ الحرامِ إلى بيت المقدسِ، راكبًا البُرَاقَ في صُحبةِ جبريلَ ﵇، فنزل ثَمّ، وأمَّ بالأنبياءِ ببيتِ المقدس فصلَّى بهم».
الكلام عليه من وجوه:
١
_________________
(١) حادثة الإسراء والمعراج من أعظم حوادث السيرة، ومن أعظم المعجزات التي أكرم الله بها نبيّه ﷺ تسلية له وتسرية عنه، بعد كل ما أصابه من عَنَت قريش وأذيّة ثقيف وموت زوجه خديجة وعمّه أبي طالب. ٢ والإسراء معناه: ذهاب رسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وأما المعراج: فهو الصعود برسول الله ﷺ من بيت المقدس إلى السموات السبع وما فوقها، حيث رأى عجائب آيات الله، وملكوت السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨]. ٣ وقد اختلف في تاريخ وقوع هذه الحادثة على أقوال، والمشهور أنها كانت
[ ٧١ ]
قبل الهجرة بسنة كما أفاده الإمام ابن سيد الناس (^١).
٤ - وقول المصنف: "وأمَّ بالأنبياءِ ببيتِ المقدس فصلَّى بهم": في هذا إشارة إلى عموم رسالته ﷺ، وخلود إمامته، وأن دينه مهيمن على الدين كله صلوات الله وسلامه عليه.
٥ ــ وقوله: "وأُسرى بجسده على الصحيح"، هذا هو القول الراجح الذي تقتضيه ظواهر النصوص، وهو قول أكثر العلماء (^٢).
وذهب قليل من العلماء إلى أن رحلة الإسراء والمعراج كانت رؤيا منامية، وإن كانت رؤيا الأنبياء حقّ وصدق.
واستدل هؤلاء بما جاء في إحدى روايات الصحيحين، من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، قال: سمعت أنس بن مالك، يحدّثنا عن ليلة أُسري بالنبي ﷺ من مسجد الكعبة: «جاءه ثلاثة نَفَر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائمٌ في مسجد الحرام ..» (^٣).
وأجاب العلماء عن هذا الدليل بأجوبة:
أولًا: أن هذه الرواية محمولة على أن النبي ﷺ كان نائمًا عند وصول الملائكة إليه قبل أخذه للرحلة، وليس في الحديث أن الحادثة كلها كانت منامًا (^٤).
_________________
(١) عيون الأثر ١/ ١٧٢، وهو الذي رواه موسى بن عقبة عن الزهري وعروة بن الزبير مرسلًا كما في مغازي عروة ص ١٢٠.
(٢) الشفا ١/ ١٨٨، وشرح النووي على مسلم ٢/ ٢٠٩، فتح القدير للشوكاني ٣/ ٢٤٦.
(٣) صحيح البخاري «٣٥٧٠»، وصحيح مسلم «٢٦٢».
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم ٢/ ٢١٠.
[ ٧٢ ]
ثانيًا: أن ذكر النوم في هذه الرواية غَلَطٌ تفرَّد به شريك بن عبد الله بن أبي نمر وخالف تلامذة أنس بن مالك الذين لم يذكروها، كما أشار إلى ذلك الإمام مسلم في صحيحه (^١).
ثالثًا: أن حادثة الإسراء والمعراج لو كانت منامًا لما أنكرتها قريش، وسارعت إلى تكذيبها، والتندر بها، لأن رؤيا المنام أمر غير مستنكر.