قال المصنف: «ودَخَلَ مَنْ شَرَحَ اللهُ صدرَه للإسلامِ على نورٍ وبصيرةٍ ومُعاينةٍ، فأخذهُم سفهاءُ أهلِ مكة بالأذى والعقوبة، وصَانَ اللهُ رسُولَه وحماه بعمّهِ أبي طالبٍ، لأنه كان شَريفًا مطاعًا فيهم، نبيلًا بيْنهم، لا يتجاسَرونَ على مفاجأته بشيءٍ في أمر محمد ﷺ لما يعلَمونَ من محبَّته له.
وكان من حكمةِ اللهِ بقاؤُه على دِينهم لما في ذلك من المصلحةِ. هذا ورسُولُ الله يدعو إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، لا يصدُّه عن ذلك صَادٌّ، ولا يردُّه عنه رادٌّ، ولا يأخذُه في الله لومةُ لائمٍ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "فأخذهم سفهاء أهل مكة بالأذى": يشير إلى ما تعرض له المسلمون بمكة من ألوان الأذى والبلاء من قبل أقوامهم بسبب إسلامهم.
وكتب السنّة والسيرة طافحة بشواهد ذلك، وسيذكر المصنف بعضًا منها في الفصل القادم.
٢ ــ بل حتى من أسلم من ذوي الشرف والمكانة لم يسلموا من أذية أقوامهم، وكان الواحد منهم يُهَدَّدُ ويُقال له: "لنسفهنّ حلمك، ولنضعنّ شرفك"، وإن كان
_________________
(١) أسد الغابة ٥/ ٤١٦.
(٢) الإصابة لابن حجر ٦/ ٤٧٤.
[ ٥٠ ]
تاجرًا قيل له: "لنكسدنّ تجارتك، ولنهلكنّ مالك" (^١)، حتى يصدوه عن دين الله.
٣ ــ وأما النبي ﷺ فلم تجترئ قريش على أذيته جسديًا بسبب حماية عمّه أبي طالب له ووقوفه معه.
لكن بعد موت أبي طالب في السنة العاشرة من البعثة نالت قريش من النبي ﷺ جسديًا (^٢) أكثر من مرة، حتى قرروا قتله في النهاية، مما كان سببًا مباشرًا لهجرته إلى المدينة كما سيأتي تفصيله.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٩.
(٢) انظر على سبيل المثال حادثة خنق عقبة بن أبي معيط للنبي ﷺ عند الكعبة في صحيح البخاري «٣٨٥٦»، ووضعهم سلا الجزور على ظهره في صحيح مسلم «١٧٩٤».
[ ٥١ ]
فصل