قال المصنف: «وجَعَلَتْ قريشٌ لمن جاء بواحدٍ من محمد ﷺ وأبي بكرٍ ﵁ مائةً من الإبل، فلمَّا مرُّوا بحي مُدلِج، بَصُر بهم سُراقة بن مالِك بن جُعشُم، سيّد مُدْلِج، فركبَ جواده وسارَ في طلبهم، فلمَّا قرُب منهم سمع قراءةَ النبيّ ﷺ، وأبو بكرٍ ﵁ يُكثر الالتفات حَذَرًا على رسُولِ الله ﷺ، وهو ﷺ لا يلتفتُ. فقال أبو
_________________
(١) قال السهيلي: «لم نجد من طريق صحيح أنه أسلم بعد ذلك»، وكذا جزم غير واحد بأنه لم يعرف له إسلامًا، انظر الروض الأنف ٤/ ١٤٥، الإصابة في تمييز الصحابة ٤/ ٥.
(٢) ضعفها الدكتور أكرم العُمري في السيرة النبوية الصحيحة له ١/ ٢١١.
[ ٩٦ ]
بكرٍ: يا رسُولَ الله! هذا سُراقة بن مالِك قد رهقنا (^١). فدعا عليه رسُولُ الله ﷺ فساخَت (^٢) يدا فرسِه في الأرضِ، فقال: رميتُ، إنَّ الذي أصابني بدعائِكما، فادعُوا الله لي، ولكما عليَّ أن أردَّ الناسَ عنكما، فدعا له رسُولُ الله ﷺ فأُطلِق، وسأل رسُولَ الله ﷺ أن يكتب له كتابًا، فكتب له أبو بكرٍ في أديمٍ، ورجع يقول للناسِ: قد كُفيتم ما ههُنا.
وقد جاء مسْلِمًا عامَ حجة الوداع ودفعَ إلى رسُولِ الله ﷺ الكتابَ الذي كتبه له، فوفَّى له رسُول الله ﷺ بما وعدَه وهو لذلك أهلٌ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ حادثة سراقة بن مالِك مخرجة في الصحيحين بنحو ما ذكره المصنف، وفي رواية البخاري أن سراقة كرر محاولة الوصول للنبي ﷺ مرتين، وفي كل مرة كانت تسقط فرسه وتسيخ يداها في الأرض (^٣).
٢ ــ وفي الحادثة معجزه باهرة للنبي ﷺ، ومظهر من مظاهر حفظ الله ورعايته له أثناء هجرته، ونظيره تعمية عيون قريش عنه عندما خرج من بيته، وعندما اختبأ في غار ثور.
٣ ــ ومما اشتهر في كتب السيرة أن النبي ﷺ قال يومها لسراقة: «كيف بك يا سراقة إذا لبستَ سواري كسرى؟»، فلما فُتحت بلاد فارس وأُتي عمر بن الخطاب ﵁ بسواريّ كسرى وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، وقال له:
_________________
(١) رهقنا: أدركنا واقترب منا.
(٢) ساخت: غاصت ودخلت.
(٣) صحيح البخاري «٣٩٠٦»، صحيح مسلم «٢٠٠٩».
[ ٩٧ ]
"قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مُدلج" (^١).
٤ ــ وقد اتفق الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب على جعل تاريخ هجرته ﷺ هو مبدأ التاريخ الإسلامي بعد تشاور وتداول، وأوضح العلامة السهيلي سبب اختيارهم لهذا التاريخ، فقال: "لأنه الوقت الذي عزَّ فيه الإسلام، والذي أُمِّر فيه النبي ﷺ، وأَسَّسَ المساجد، وعبدَ الله آمنا كما يجب" (^٢).
وحتى لا يختلف مبدأ تاريخ الهجرة مع مبدأ السنة الهلالية قدَّم الصحابة ميعاد الهجرة شهرين وأيامًا، وجعلوا بدء الهجرة من محرَّم تلك السَّنَة.