قال المصنف: «ومرّ رسُولُ الله ﷺ في مسيرهِ ذلك بخيمةِ أمّ مَعْبَدٍ فقال عندها (^٣)، ورأتْ من آياتِ نبوَّتهِ في الشاةِ وحلْبها لبنًا كثيرًا في سَنَةٍ مُجدبةٍ ما بَهَرَ العقولَ ﷺ».
الكلام عليه من وجهين:
١ ــ هذه معجزة باهرة أخرى أكرم الله بها نبيّه ﷺ في طريق هجرته إلى المدينة، وخلاصتها: أن النبي ﷺ والركب الذي معه مروا في طريق هجرتهم جهة قُديد بخيمة أمرأة يقاله لها: أم معبد، واسمها: عاتكة بنت خالد الخزاعية، وكانت امرأة
_________________
(١) أخرج هذه الحادثة البيهقي في الدلائل ٦/ ٣٢٥ بإسناد رجاله ثقات، من طريق الحسن البصري، عن عمر بن الخطاب به، لكن رواية الحسن عن عمر منقطعة.
(٢) الروض الأنف ٤/ ٢٥٥.
(٣) أخذ وقتًا للقيلولة.
[ ٩٨ ]
تسقي وتطعم من يمرّ بها من المسافرين، فسألها النبي ﷺ إن كان عندها لبن أو لحم يشترونه، فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القِرَى (^١)، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة هزيلة في جانب الخيمة، فسألها: «هل بهذه الشاة من لبن»؟ فقالت: هي أجهد من ذلك. فقال: «أتأذنين لي في حلبها؟»، فقالت: نعم، إن رأيت بها حَلْبًا فَاحْلُبْهَا، فدعا بالشاة فمسح ضرعها وظهرها وسمّى، فدرّت لبنا غزيرًا، فحلب للقوم في إناء وسقاهم مرة بعد مرة حتى ارتووا جميعًا، ثم حلب ثالثة وقال: «ارفعي هذا لأبي معبد»، ثم ركبوا وانصرفوا.
٢ ــ وهذه الحادثة ذكرتها عامة كتب السيرة، وقد صححها الإمام الحاكم في المستدرك ودافع عنها (^٢)، وقال ابن كثير: "قصتها مشهورة مروية من طرق يشدّ بعضها بعضا" (^٣)، وكذا حسنها بمجموع طرقها وشواهدها الصوياني (^٤)، والعلي (^٥).
٣ ــ وقد أكرم الله أمّ معبد وزوجها فأسلما بعد ذلك، وترجم لهما غير واحد في الصحابة (^٦).
_________________
(١) أي ما منعنا عنكم إكرام الضيف.
(٢) مستدرك الحاكم ٣/ ٩.
(٣) البداية والنهاية ٤/ ٤٧٢.
(٤) الصحيح من أحاديث السيرة ص ١٥٣.
(٥) صحيح السيرة للعلي ص ١٢٩.
(٦) أسد الغابة ٧/ ١٨٠، الإصابة في تمييز الصحابة ٨/ ٤٧٧.
[ ٩٩ ]
فصل