قال المصنف: «وخَرَجَ به عمُّه إلى الشَّام في تجارة وهو ابنُ ثنتي عشرة سنة، وذلك من تمام لطفِه بهِ، لعدمِ من يقوم به إذا تركه بمكة، فرأى هو وأصحابه ممن
_________________
(١) الإصابة لابن حجر ٨/ ٣٥٨.
(٢) صحيح البخاري «٣٨٨٣»، صحيح مسلم «٢٠٩» واللفظ لمسلم.
[ ٢٧ ]
خَرَجَ معه إلى الشَّام من الآيات فيه ﷺ ما زاد عمَّه في الوصاة بهِ والحرصِ عليهِ؛ كما رواه الترمذي في جامعه بإسنادٍ رجالُه كلُّهم ثقاتٍ، من تظليل الغَمَامةِ له ومَيْلِ الشجرة بظلّها عليه، وتبشير بَحيرا الرَّاهب به، وأمره لعمّه بالرجوع به لئلَّا يراه اليهود فيرومونه سوءًا، والحديث له أصلٌ محفوظٌ، وفيه زياداتٌ أُخر».
الكلام عليه من وجوه:
١ - قوله: "وخرج به عمه إلى الشام": هذه الحادثة أخرجها الترمذي في سننه، وابن إسحاق في السيرة (^١)، ورجالها كلهم ثقات ولها أصل محفوظ كما قال المصنف.
وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده قوي" (^٢)، وقد صححها الحاكم في المستدرك (^٣)، وصححها بمجموع طرقها وشواهدها الدكتور أكرم ضياء العُمري (^٤)، والألباني (^٥)، على نكارة في بعض ألفاظ الحديث نبّه عليها العلماء.
٢ ــ وقد اكتفى المصنف بالإشارة إلى الحادثة، وخلاصتها: أن أبا طالب كان قد أراد الخروج إلى بلاد الشام في تجارة له، فرغب ابن أخيه في صحبته، فرقّ له واصطحبه. فلما وصل الركبُ بُصرى من بلاد الشام، كان بها راهب نصراني (^٦)
_________________
(١) سنن الترمذي (٣٦٢٠)، سيرة ابن هشام ١/ ١٨١.
(٢) فتح الباري ٧/ ٧١٦.
(٣) مستدرك الحاكم (٤٢٢٩).
(٤) السيرة النبوية الصحيحة ١/ ١٠٩.
(٥) صحيح سنن الترمذي ٣٦٢٠، والتعليق على فقه السيرة للغزالي ص ٦٩.
(٦) وقيل: يهودي.
[ ٢٨ ]
يقال له بَحِيرا، وكان عنده عِلْمٌ بالكتب السماوية، وقد علم منها قرب مبعث نبيّ، فكان يتحرّى خروجه.
فلما وصلت قافلة أبي طالب قرية بُصرى جذب انتباه الراهبَ غمامةٌ كانت تظلل شخصًا في القافلة، والشجر يميل عليه بفيئه، فدعاهم إلى طعام، وهناك تعرّف الراهب على النبي ﷺ من خلال صفاته وأحواله وخاتم النبوة الذي كان بين كتفيه.
وقد ورد عند ابن إسحاق (^١): أن بحيرا سأل أبا طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني.
قال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًا.
قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به.
قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفتُ ليبغنَّه شرًا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده.
٣ ــ وقد استغل هذه الحادثة بعض المستشرقين والمبشرين للطعن في النبي ﷺ، فزعموا أنه عندما التقى مع الراهب بَحيرا تعلَّم منه مبادئ الدين، وأمدَّه الراهبُ بكثير من علوم أهل الكتاب، مما كان له بالغ الأثر في ادعائه النبوة بعد ذلك!!
بل زعم بعضهم أن النبي ﷺ تلقى القرآن كله من الراهب بحيرا!!
وكل هذا محض كذب وافتراء وخيال، لأن قصة التعليم والتلقي المزعوم ليس في الروايات ما يدل عليها؟!
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ١٨٢.
[ ٢٩ ]
ثم إن النبي ﷺ وقتها كان عمره ما بين العاشرة والثانية عشرة، وكان لقاؤه بالراهب قصيرًا عابرًا على دعوة طعام، فكيف تسنَّى في ذاك العمر الصغير وذاك اللقاء العابر أن يتعلَّم منه علوم أهل الكتاب وعقائدهم، هذه دعاوى باطلة عقلًا ونقلًا.
والعجيب أن هؤلاء المستشرقين لا يفتؤون يرددون مثل هذه الأباطيل في كتبهم، فتارة يزعمون أن النبي ﷺ تعلَّم من بحيرا الراهب!
وتارة يزعمون أنه تعلَّم من ورقة بن نوفل، أو من يهود مكة .. ومعلوم أن مكة لم يكن بها يهود آنذاك، إلى غير ذلك من الأباطيل والتفسيرات التي يريدون من ورائها إنكار الوحي وتكذيب الرسالة، كما قال أسلافهم من قبل: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
٤ ــ وقوله: "وفيه زيادات أخر": يريد المصنف أن الحديث مع كون أصله محفوظًا إلا أن بعض رواياته اشتملت على ألفاظ منكرة وباطلة.
ففي رواية الترمذي أن أبا طالب ردّ النبي ﷺ إلى مكة ومعه أبو بكر وبلال!!
وقد استنكر العلماء هذه اللفظة وقالوا: إن أبا بكر وقتها كان صبيًا في التاسعة، وبلال لعله من يخلق بعد. ورجح ابن حجر أن تكون هذه الزيادة وهم من أحد الرواة (^١).