ضيق ذات اليد وقلة الموارد المادية.
٢
_________________
(١) وفي اشتراك النبي ﷺ مع بعض أصحابه في اعتقاب بعير واحد دليل على تواضعه ومساواة نفسه بأصحابه في الشدَّة والعُسر، في المنشط والمكره، وقد كان بإمكانه وهو القائد أن يصطفي لنفسه أجود فرس أو أجود بعير يركبه وحده. ٣ كما أن في إرسال النبي بعض أصحابه إلى بدر يتحسسون الأخبار دليل على جواز الاستعانة بالعيون والجواسيس في الجهاد لكشف تحركات الأعداء ومعرفة خططهم ومواضع قوتهم وضعفهم. خروج قريش ومشاورة النبي ﷺ أصحابه في القتال: قال المصنف: «ولمَّا بَلَغَ رسُولَ الله ﷺ خروجُ قريشٍ استشار أصحابَه، فتكلَّم كثيرٌ من المهاجرين فأحسنوا، ثم استشارهم وهو يريدُ الأنصار، فبادر سعدُ بنُ معاذ رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسُولَ الله! كأنك تُعَرّض بنا، فو الله يا رسُولَ الله، لو استعرضتَ بنا البحرَ لخُضناه معك، فَسِرْ بنا على بركةِ الله، فَسُرَّ ﷺ بذلك وقال: «سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إِحدى الطائفتين». ثم رحل رسُولُ الله ﷺ فنَزَلَ قريبًا من بدر، فلمَّا أمسى بَعَثَ عليًا وسعدًا والزبير إلى ماء بدر يلتمسون الخبرَ، فقدموا بعبدين لقريشٍ، ورسُولُ الله ﷺ قائمٌ يُصَلّي، فسألهما أصحابُه لمن أنتما؟ فقالا: نحنُ سُقاةٌ لقريشٍ، فكره ذلك أصحابُ رسُولِ الله ﷺ وودُّوا أن لو كانا لعير أبي سفيان، وأنه منهم قريبٌ ليفوزوا به، لأنه أخفُّ مؤونة من قتال النفير من قريشٍ؛ لشدَّة بأسهم واستعدادهم لذلك، فجعلوا يضربونهما، فإذا آذاهما الضربُ قالا: نحنُ لأبي سفيان، فإذا سكتوا عنهما قالا: نحنُ لقريشٍ، فلما انصرفَ رسُولُ الله ﷺ من صلاته قال: «والذي نفسي بيده إنكم
[ ١٣٥ ]
لتضربونهما إذا صدقا وتتركونهما إذا كذبا». ثم قال لهما: «أخبراني أين قريش؟» قالا: وراء هذا الكثيب. قال: «كم القوم؟» قالا: لا عِلْمَ لنا. فقال: «كم ينحرون كل يوم؟» فقالا: يومًا عشرًا ويومًا تسعًا، فقال ﷺ: «القومُ ما بين التسعمائة إلى الألف».
وأما بَسْبَسُ وعديّ فإنهما وردَا ماء بدرٍ فسمعا جاريةً تقول لصاحبتها: ألا تقضيني ديني؟ فقالت الأخرى: إنما تقدُم العيرُ غدًا أو بعد غدٍ فأعمل لهم وأقضيك، فصدَّقها مَجْدي بنُ عمرو. فانطلقا مقبلين لما سمعا، ويعقبهما أبو سفيان، فقال لمَجْدي بن عمرو: هل أحسستَ أحدًا من أصحابِ محمد؟ فقال: لا إلا أن راكبين نزلا عند تلك الأكمة، فانطلق أبو سفيان إلى مكانهما وأخذ من بعر بعيرهما ففتَّه فوجد فيه النوى، فقال: والله هذه علائِفُ يثرب، فعدل بالعيرِ إلى طريق الساحل، فنجا، وبَعَثَ إلى قريشٍ يُعلمهم أنه قد نجا هو والعير ويأمرهم أن يرجعوا».
الكلام عليه من وجوه:
١
_________________
(١) دلت مشاورة النبي ﷺ لأصحابه عندما بلغه خروج قريش لقتاله على التزامه ﷺ بمبدأ الشورى في كل ما لم يرد فيه نص ملزم من الكتاب أو السنة، وعدم تفرده بالرأي، وفي حوادث السيرة شواهد كثيرة على ذلك. ٢ وإنما كان النبي ﷺ ينتظر رأي الأنصار في خوض هذه المعركة دون المهاجرين فلأنهم كانوا أولًا أغلب الحاضرين، ولأنهم كانوا قد بايعوا النبي سابقًا على حمايته داخل حدود المدينة فحسب، فلم يكن ﷺ ليجبرهم على خوض معركة خارجها دون أن يكون لهم رأي في ذلك.
(٢) وخبر مشاورة النبي ﷺ لأصحابه وانتظاره رأي الأنصار أخرجه مسلم
[ ١٣٦ ]
في صحيحه ضمن سياق مطول (^١).
٤ ــ كما أن في تقدير النبي ﷺ لأعداد جيش المشركين عن طريق معرفة ما يأكلونه من الإبل كلَّ يوم دليل على براعته ومهارته ﷺ وحَدَسِهِ الصائب في الاستدلال والاستنتاج إلى جانب ما أكرمه الله من النبوة والرسالة (^٢).