قال المصنف: «فلما نُقضتِ الصحيفةُ وافق موتَ خديجة ﵂ وموتَ أبي طالبٍ، وكان بينهما ثلاثةُ أيامٍ، فاشتدَّ البلاءُ على رسُولِ الله ﷺ من سُفهاء قومِه، وأقدَموا عليه. فخرجَ رسُولُ الله ﷺ إلى الطائفِ لكي يُؤوه ويَنصُروه على قومه، ويمنعُوه منهم، ودعاهم إلى الله ﷿، فلم يُجيبوهُ إلى شيءٍ من الذي طلبَ، وآذَوْه أذىً عظيمًا، لم ينلْ قومُه منه أكثرَ مما نالوا منه، فرجع عنهم، ودخل مكة في جوار المُطْعِم بن عَديّ بن نَوْفَل بن عبد مَنَاف».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ جزم المصنف هنا بالمدة التي كانت بين وفاة خديجة وأبي طالب مع أنه مجرّد قول قاله بعض أهل العلم، لا يوجد ما يثبته أو يؤكده.
وهناك من قال: إن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمسة وثلاثين يومًا (^١).
وأما شيخ المغازي ابن إسحاق فلم يحدد شيئًا بالأيام، واكتفى بقوله: "توفيت خديجة وأبا طالب في عام واحد" (^٢).
_________________
(١) تاريخ الإسلام للذهبي ١/ ٦١٤.
(٢) سيرة ابن إسحاق ص ٢٤٣.
[ ٦٥ ]
لأجل هذا كان الأولى بالمصنف عدم الجزم بعدد الأيام بينهما، والله أعلم.
وفي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير، قال: «توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين» (^١). أي في العام العاشر من البعثة.
٢ ــ وقد اشتهر عند كتاب السيرة تسمية هذا العام الذي توفيت فيه خديجة وأبو طالب بعام الحزن، وبعضهم ينسب هذه التسمية إلى النبي ﷺ مع أنه لم يرد في ذلك حديث ثابت (^٢)، وإن كان عامًا حزينًا بلا شك على النبي ﷺ.
٣ ــ وأما ذهابه ﷺ إلى الطائف فقد ورد من طرق يقوي بعضها بعضًا، كما أن في البخاري بعض الإشارات له (^٣).
٤ ــ وسبب ذهابه ﷺ إلى هناك هو ما كان يرجوه من إيمان أهل الطائف به وإيوائهم له حتى يبلّغ رسالة ربه، بعد أن أمعنت قريش في مقاومته والصدّ عنه.
٥ ــ وقد أرخ الواقدي خروج النبي ﷺ في تلك الرحلة في السنة العاشرة من البعثة، وذكر أنه كان برفقة مولاه زيد بن حارثة، وأنه أقام فيهم عشرة أيام يدعو أهلها للإسلام (^٤).
٦ ــ ولكنهم كما ذكر المصنف لم يستجيبوا له، بل سبُّوه ونالوا منه وردوا عليه ردًا منكرًا، وسلّطوا سفهاءهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين،
_________________
(١) صحيح البخاري «٣٨٩٦».
(٢) دفاع عن الحديث النبوي ص ١٨.
(٣) صحيح البخاري «٣٢٣١»، السيرة النبوية الصحيحة للعُمري ١/ ١٨٦.
(٤) نقله عنه ابن سعد في طبقاته ١/ ١٦٥. وأما ابن إسحاق فلم يؤرخ تاريخ الرحلة، ولم يذكر مدة الإقامة في الطائف، وقال: "خرج إليهم وحده"، كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٤٧.
[ ٦٦ ]
وألجئوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة القرشيين كي يحتمي به.
وقد كان لأثرياء أهل مكة أملاكًا وبساتين في الطائف وما حولها، يقضون بها شهور الصيف القائظة.
٧ ــ فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي النبي ﷺ من أهلِ الطائف تحركت فيهما الرحم والمروءة، وأمرا غلامًا لهما نصرانيًا اسمه: عَدَّاس أن يقدم له طبقًا من عنب.
فلما وضع رسول الله ﷺ يده فيه قال: «بسم الله»، فقال عَدَّاس مستغربًا: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد!!
فقال ﷺ: «ومن أيّ البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك»؟ فقال: نصراني من أهل نينوى.
فقال ﷺ: «من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى»؟
فقال عدَّاس: وما يدريك ما يونس بن متى؟
فقال ﷺ: «ذاك أخي، كان نبيًا، وأنا نبي».
فأكب عَدَّاس على رسول الله ﷺ يُقبّل رأسه ويديه وقدميه (^١)!!
٩ ــ ومما يدل على شدة ما أصابه ﷺ في الطائف ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ: هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أُحد،
_________________
(١) قصة عداس وردت من مراسيل عديدة كابن إسحاق والزهري وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة أرى أنها يقوي بعضها بعضًا خلافًا للدكتور أكرم العمري الذي ضعفها كما في كتابه السيرة النبوية الصحيحة ١/ ١٨٧. وقد عدّ عداسًا في جملة الصحابة غير واحد، منهم: أبو نعيم في معرفة الصحابة ٤/ ٢٢٦٢، وابن الأثير في أسد الغابة ٣/ ٥٠١، وابن حجر في الإصابة ٤/ ٣٨٥.
[ ٦٧ ]
قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة» (^١)، يعني عقبة الطائف.
١٠ - ثم رجع رسول الله ﷺ إلى مكة حزينًا مهمومًا مكلوم الفؤاد، ودخلها في جوار المُطعم بن عَديّ.
١١ - وفي هذا دليل على جواز استعانة المسلم بغير المسلم والاحتماء به عند الحاجة أو الضرورة، وقد تقدم التنبيه على هذه المسألة مرارًا.