قال المصنف: «ثم خَرجَ ثانيًا إلى الشامِ في تجارة لخديجة بنتِ خُويلد مع
_________________
(١) الإصابة لابن حجر ١/ ٤٧٦، تحفة الأحوذي للمباركفوري ١٠/ ٦٦.
[ ٣٠ ]
غلامها مَيْسَرة على سبيلِ القِراض (^١)، فرأى مَيْسَرةُ ما بَهَرَهُ من شأنه، فرجعَ فأخبر سيّدته بما رأى، فرغبت إليهِ أن يتزوجها؛ لما رجَتْ في ذلك من الخيرِ الذي جَمَعَه الله لها، وفوقَ ما يخطرُ ببال بشرٍ، فتزوَّجها رسُولُ الله ﷺ وله خمسٌ وعشرونَ سنة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ خروجه ﷺ في تجارة لخديجة إلى أرض الشام ذكره ابن إسحاق مرسلًا بدون إسناد (^٢)، وصحح الرواية الحاكم في المستدرك، ووافقه الذهبي (^٣).
٢ ــ وهذا الخروج هو الثاني له ﷺ إلى بلاد الشام، وكان عمُرُه كما قال المصنف خمسًا وعشرين سنة، وعزاه الحافظ ابن حجر إلى الجمهور (^٤).
٣ ــ وخلاصة الحادثة أن خديجة بنت خويلد كانت امرأة تاجرة، وكانت تستأجر الرجال للعمل في مالها على سبيل القِراض والمضاربة. فلما سمعت عن صدق رسول الله وأخلاقه أرسلت إليه وطلبت منه أن يخرج إلى بلاد الشام في تجارة لها، فَقَبِلَ ذلك، وخرج في صحبته غلام لخديجة اسمه: ميسرة (^٥).
_________________
(١) القِراض: أن يكون المال من طرف والعمل من طرف آخر والربح بينهما على ما شرطا، ويسمى المضاربة.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ١٨٧.
(٣) المستدرك للحاكم ٢/ ٢٠٠، ورواية الحاكم تقول: إنها كانت سَفرتين.
(٤) فتح الباري ٧/ ١٣٤.
(٥) ذكر ابن حجر ميسرة في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة" ٦/ ١٨٩، وقال: "لم أقف على رواية صريحة بأنه بقي إلى البعثة، فكتبته على الاحتمال".
[ ٣١ ]
٤ ــ وقد حالف التوفيق هذه الرحلة فربحت تجارتُها، ورأى ميسرةُ من أمانة النبي ﷺ واستقامته ما أثار إعجابه فأخبر سيدته بذلك فرغبت في الزواج منه، ورأت فيه ضالتها المنشودة (^١).
٥ ــ وقد اختلفت الروايات في سنّ خديجة عندما تزوجت به ﷺ، فالمشهور أنها كانت في سنّ الأربعين، وهو قول الواقدي (^٢).
وقال ابن إسحاق: كانت في الثامنة والعشرين (^٣).
وليس عندنا رواية مسندة تفصل في المسألة، فالله أعلم.
٦ ــ وكانت خديجة هي أول امرأة تزوجها النبي ﷺ، وولدت له كل ولده، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية كما تقدم.
٧ ــ وفي الحادثة دليل على اعتماد النبي ﷺ على نفسه في الكسب والعيشة قبل بعثته، فقد عمل أجيرًا لدى خديجة، وعمل قبلها راعيًا للغنم لبعض أهل مكة، وهكذا استطاع ﷺ في صغره وفي شبابه أن يستغني عمَّا في أيدي الناس، أو انتظار إحسانهم وشفقتهم.