قال المصنف: «وجاء المشركونَ في طلبِهما إلى ثَوْرٍ، وما هناك من الأماكنِ، حتى إنهم مرُّوا على بابِ الغارِ، وحاذَت أقدامُهُم رسُولَ الله ﷺ وصاحِبَه، وعمَّى الله عليهم بابَ الغار. ويقال ـــ والله أعلم ـــ إنَّ العنكبوتَ سدَّت على باب الغارِ، وإن حمامتين عشَّشَتا على بابهِ، وذلك تأويلُ قوله تعالى: ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]، وذلك أنَّ أبا بكرٍ رضي الله تعالى عنه لشدَّةِ حِرْصِه بكى حين مرَّ المشركونَ، وقال: يا رسُولَ الله لو أن أحدَهم نظرَ موضعَ قدميه لرآنا. فقال له النبي ﷺ: يا أبا بكرٍ، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "وجاء المشركونَ في طلبِهما إلى ثور": بيَّنت رواية المسند أن قريشًا إنما استطاعت الوصول إلى فم الغار عن طريق الاستعانة بالقافة الذين كانوا يقصُّون آثار الأقدام (^١)، ووصولهم إلى الغار واختبائهما فيه ثلاث أيام
_________________
(١) مسند أحمد «٣٢٥١»، وسأذكر درجته بعد قليل عند ذكر حادثة نسج العنكبوت.
[ ٩٤ ]
مخرج في الصحيحين (^١).
٢ ــ وقوله: "ويقال إنَّ العنكبوتَ سدَّت باب الغار": قصة العنكبوت مخرجة عند أحمد (^٢) بإسناد حسنه ابن كثير (^٣) وابن حجر (^٤).
٣ ـــ أما قصة الحمامتين والشجرة التي نبتت في فم الغار فبرغم اشتهارهما في كتب السيرة إلا أن أسانيدها لا ترتقي إلى درجة الصحة، وقد ضعفها غير واحد، كابن كثير (^٥)، والعُمري (^٦)، والله أعلم.
٤ ــ وقد استدل بعض أهل الباطل بحزن أبي بكر حين اقترب المشركون من الغار على ضعفه وجزعه وخوفه!! وهذا استدلال باطلٌ لأن حزن أبي بكر لم يكن لأجل نفسه، وإنما كان لأجل سلامة النبي ﷺ أن يصيبه سوء أو مكروه، وهذا أمر ظاهر.
٥ ــ وفي قوله ﷺ لأبي بكر «لا تحزن إن الله معنا»: دليل على أن المؤمن يجب عليه التوكل على الله، والثقة بنصره وعونه وتأييده.