قال المصنف: «وكان اللهُ سُبحانَه قد صَانَه وحَمَاه من صِغَره، وطهَّره من دَنَس الجاهِلية، ومن كلّ عَيب، ومَنَحَه كلّ خُلقٍ جَمِيل، حتى لم يَكن يُعرفُ بين قومِه إلا بالأَمين، لما شاهدوا مِنْ طهارتِه وصِدقِ حديثِه وأمانتِه. حتى إِنه لما بنت قريشٌ
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٢، سبل الهدى والرشاد ٢/ ١٦٤.
(٢) طبقات ابن سعد ١/ ١٠٥.
(٣) مستدرك الحاكم ٣/ ٢٠٠.
[ ٣٢ ]
الكعبةَ في سنةِ خمسٍ وثلاثين من عمرِه فوصلوا إلى موضِعِ الحَجَر الأسودِ اشتجروا فيمن يَضَع الحَجَر موضعه، فقالت كلُّ قبيلة: نحن نَضَعه، ثم اتَّفقُوا على أن يَضَعَه أولُّ داخلٍ عليهم، فكان رسُولُ الله ﷺ، فقالوا: جاء الأَمينُ، فَرضُوا به، فأَمَر بثوبٍ، فوَضَع الحَجَر في وسَطَه، وأَمرَ كلّ قبيلةٍ أن تَرفَع بجانبٍ مِنْ جَوانب الثوبِ، ثم أخذ الحَجَر فوَضَعَه موضِعَه ﷺ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ صيانة الله ﷿ لنبيّه وحفظه له منذ صغره مما تواترت به النصوص، فلم يُعرف عنه شيء ﷺ من انحرافات أهل، سواء في العقيدة أو السلوك. ولم يُعرف عنه ﷺ أنه مسَّ صنمًا أو شرب خمرًا، وكان يأبى مشاركة قريش في أعيادهم وشعائرهم الوثنية (^١).
٢ ــ ومن شواهد حفظ الله له في أيام شبابه أنه ﷺ: أراد مرّة حين كان شابًا أن يسمُر كما يسمُر فتيان مكة، فقال لغلام كان يرعى الغنم معه: لو أبصرتَ لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمُر بها كما يسمُر الفتيان! فخرج حتى إذا كان عند أول دار سمع عزفًا، فقال: ما هذا؟ فقالوا: تزوج فلان بفلانة، فجلس يستمع، فضرب الله على أذنيه، فنام، فما أيقظه إلا حرّ الشمس، ثم إنه حاول مرة أخرى فأصابه مثل ما أصابه في المرة الأولى، فما عاد إلى ذلك بعدها (^٢).
_________________
(١) عيون الأثر ١/ ٥٦.
(٢) رواه ابن إسحاق في سيرته ص ٧٩، ومن طريقه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٣٧، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده حسن متصل" كما نقله عنه الصالحي في سبل الهدى والرشاد ٢/ ١٤٨.
[ ٣٣ ]
٣ ــ ومن الشواهد ما رواه زيد بن حارثة، قال: كان صنم من نحاس يقال له: إِساف أو نائلة، يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﵌ فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﵌: لا تمسَّه! فقال زيد: فطفت فقلت في نفسي لأمسَّنَّه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله ﵌: ألم تُنه؟! (^١).
٤ ــ وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله يحدث: «أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره»، فقال له العبَّاس عمّه: يا ابن أخي، لو حللتَ إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة، قال: «فحلَّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشيًا عليه، فما رُئي بعد ذلك عريانًا ﷺ» (^٢).
وعلق الحافظ ابن حجر على هذا الحديث قائلًا: "وفي الحديث أنه ﷺ كان مصونًا عما يستقبح قبل البعثة وبعدها" (^٣).
٥ ــ ويكفي في الدلالة على حال النبي ﷺ قبل بعثته شهادة زوجه خديجة له وهي أعلم الناس به حين قالت له: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (^٤).
٦ ــ وأما حادثة اختصام قريش حول من يضع الحجر الأسود في مكانه عندما جددت بناء الكعبة، وما أشار به النبي ﷺ من الرأي السديد، فهذه حادثة مشهورة
_________________
(١) دلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٣٤، وحسنه الذهبي في تاريخ الإسلام ١/ ٥١٦.
(٢) صحيح البخاري «٣٦٤» واللفظ له، صحيح مسلم «٣٤٠».
(٣) فتح الباري ١/ ٤٧٥.
(٤) صحيح البخاري «٣»، صحيح مسلم «٢٥٢».
[ ٣٤ ]
مخرجة في مسند أحمد وغيره من كتب السنة بإسناد صحيح (^١).
٧ ــ وفي الحادثة دليل على ما كان يتمتع به ﷺ من مكانة أدبية في أوساط قريش قبل البعثة، فإن قريشًا قالت لما دخل عليهم النبي ﷺ من باب المسجد: "جاء الأمين"، ورضوا بحكمه كما ورد في الرواية المذكورة.
_________________
(١) مسند أحمد «١٥٥٠٤»، وقال الحاكم في المستدرك ١/ ٦٢٨: "صحيح على شرط مسلم، وله شاهد صحيح على شرطه"، وكذا صحح إسناده شعيب الأرناؤوط.
[ ٣٥ ]