قال المصنف: «ولمَّا اشتدَّ أذى المشركينَ على مَنْ آمنَ وفتنوا منهم جماعة، حتى إنهم كانوا يصبرونهم (^١)، ويلقونهم في الحرّ، ويضعونَ الصخرة العظيمة على صدْر أحدِهم في شدَّة الحرّ، حتى إن أحدهَم إذا أُطلق لا يستطيعُ أن يجلسَ من شدَّةِ الألمِ، فيقولونَ لأحدِهم: اللاتُ إلهك من دونِ الله. فيقول مكرهًا: نعم! وحتى إن الجُعَل (^٢) ليمرُّ فيقولونَ: وهذا إلهك من دون الله. فيقول نعم!
ومرّ الخبيثُ عدو الله أبو جهل عمرو بن هشام بسُمَيَّة أم عمَّار وهي تعذَّبُ وزوجُها وابنُها، فطعنَها بحربةٍ في فرجها فقتلها ﵂ وعن ابنها وزوجها.
وكان الصّدّيق رضي الله تعالى عنه إذا مَرَّ بأحدٍ من الموالي يعذَّب يشتريهِ من مواليه ويعتقه، منهم بلالٌ، وأمه حمامة، وعامر بن فُهيرة، وأم عبس، وزنِّيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية لبني عدي، كان عمرُ يعذّبها على الإسلام قبل أن يُسلم، حتى قال له أبوه أبو قحافة: يا بنيّ، أراك تُعتق رقابًا ضعافًا، فلو أعتقتَ قومًا جُلدًا يمنعونك. فقال له أبو بكر: إني أريد
_________________
(١) يحبسونهم.
(٢) الجعل بضم الجيم وفتح العين: دويبة من دواب الأرض تشبه الخنفساء.
[ ٥٣ ]
ما أريد (^١). فيقال إنه نزلت فيه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٧ - ١٨] إلى آخر السورة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ ما ذكره المصنف من ألوان العذاب والبلاء الذي أنزله المشركون بالمؤمنين بمكة له شواهد كثيرة في السنة والسيرة، منها حديث ابن مسعود أنهم: كانوا يلبسونهم أدارع الحديد، ويصهرونهم في الشمس، ويطوفون بهم في شعاب مكة (^٢).
ومنها حديث ابن عباس: أنهم كانوا يضربون أحدهم، ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدّت ما نزل به من الضرّ (^٣).
٢ ــ وحادثة استشهاد سمية والدة عمار بن ياسر على يد أبي جهل مخرجة في مصنف ابن أبي شيبة (^٤) مرسلًا بإسناد صحيح عن مجاهد بن جبر كما قال ابن حجر (^٥).
وقد ثبت أن النبي ﷺ مرّ بها وبزوجها وابنها وهم يعذبون بمكة، فقال لهم:
_________________
(١) كذا في الفصول!، وعند ابن هشام ١/ ٢٧٩: «إنما أريد ما أريد لله ﷿»، وبها تتضح الجملة.
(٢) مسند أحمد «٣٨٣٢»، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٣٢٠ وقال الصوياني في الصحيح من أحاديث السيرة ص ٧١: "إسناده قابل للتحسين".
(٤) مصنف ابن أبي شيبة «٣٣٨٦٩».
(٥) الإصابة ٨/ ١٩٠.
[ ٥٤ ]
«صبرًا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» (^١).
٣ ــ وقصة شراء أبي بكر الصّدّيق للموالي المعذَّبين بمكة وإعتاقهم ذكرها ابن إسحاق في السيرة، ومن طريقه الحاكم في المستدرك وصححه (^٢).
وقد ثبت إعتاق أبي بكر لبلال في البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول: «أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا يعني بلالًا» (^٣).
٤ ــ وما كان يصيب المؤمنين الصادقين بمكة من ألوان العذاب والمعاناة فيه دليل على أن المؤمن مبتلى ليطهره الله ويرفع درجاته.
وفي الحديث الصحيح: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» (^٤).
٥ ــ وما كان ينطق به بعض المؤمنين من ألفاظ الكفر تحت العذاب فيه دليل على أن الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
٦ ــ وفي شراء أبي بكر للموالي المعذبين وإعتاقهم دليل على فضله وكرمه وبعض ما كان يقوم به ﵁ من أعمال جليلة في الإسلام.